الاشتراك بالرسالة الاخبارية


تابعونا ايضا على
Facebook
Twitter
App Store
Mobile
YouTube
Rss



           

الإعاقة بالمغرب بين التنمية والتنحية


مصطفى قطبي
الثلاثاء 29 أكتوبر 2013




الإعاقة بالمغرب بين التنمية والتنحية
تعتريني حالات نفسية متباينة ومتعددة حينما يتجسد أمام ناظري ذات الموضوع الإنساني الذي أصادف عناصره في حياتي اليومية وأسمع عنه من الأصدقاء والمعارف وتنقله إلينا الأحداث الطبيعية وغير الطبيعية كالكوارث والطبيعة وفعل الإنسان، ويلحّ عليّ هذا الموضوع عندما أدخل في تفاصيله وفي جزئياته وعندما يتكون ككل يمثل ظاهرة اجتماعية وإنسانية متغلغلة في جسد المجتمع المغربي الذي نعيش فيه، لأن عناصر هذا الموضوع هم من أفراده الذين يتموضعون فيه ويشكلون تلك الظاهرة بسلبياتها وإيجابياتها، بعطاءاتها وحاجاتها. هذه الفكرة هي التي تشكل المعادلة الأساسية في (العطاء والحاجة)، هذه المعادلة التي تقف عقدة صعبة أمام أحبّة نعيش معهم ويعيشون بيننا اصطُلح على تسميتهم من حيث العطاء والحاجة (المعوقين أو ذوي الحاجات الخاصة).

ويبدو أن نظرة المجتمع المغربي لذوي الاحتياجات الخاصة تتغير إلى الأفضل ولكن بشكل بطيء، حيث مازال كثيرٌ من الناس ينظرون إلى هذه الفئات نظرة عطف وشفقة تدل على أنهم أقل من غيرهم من أقلية تنظر إليهم نظرة أكثر سلبية ويعتقدون أن هذه الفئات غير قادرة على التعلم والاندماج في المجتمع. وقد أثرت تلك النظرات على كثير من أفراد هذه الفئات للأسف وهزت مستوى ثقتهم بأنفسهم جزاء تلقيهم لكثير من الرسائل السلبية التي يسمعونها بآذانهم، أو يرونها بأعينهم في نظرات الناس، أو يلمسونها في طريقة التعامل معهم، والأسوأ من ذلك ـ في نظري ـ هو أن بعض ذوي الاحتياجات الخاصة يستغلون مثل تلك النظرات استغلالاً خاطئاً فيحاولون استجداء تعاطف الآخرين، بل إن بعضها لا علاقة لها باحتياجاتهم الخاصة من بعيد ولا من قريب. فحسب آخر إحصاء قامت به كتابة الدولة المكلفة بالأسرة والطفل والأشخاص المعاقين بتعاون مع الاتحاد الأوروبي، فإن عدد المعاقين بالمغرب وصل إلى مليون وخمس مائة وثلاثون ألف حالة إعاقة، بنسبة 12.5 بالمائة من مجموع الساكنة، بمعنى أن الإعاقة تمس بيتاً مغربياً واحداً من كل أربعة.

وتحتل الإعاقة الجسدية المرتبة الأولى بنسبة تقدر بـ 24.85 بالمائة. ورغم أن العدد متقارب إلا أن الدراسة أكدت أن نسبة الرجال تفوق نسبة النساء وتستقر غالبيتها بالمدن بنسبة 58.4 بالمائة بينما تنخفض هذه النسبة بالقرى لتصل إلى 41.6 بالمائة. وتبلغ قرابة 30 بالمائة منهم 60 سنة فما فوق و 14.3 بالمائة من الأشخاص المعاقين بين 0 و 14 سنة فيما تحقق غالبية الأعمار 55.7 بالمائة.

وللإعاقة عدة أنواع: إعاقة جسمية أو إعاقة عقلية أو إعاقة نفسية، والمعاق: هو شخص يعاني من قصور فيزيولوجي أو سيكولوجي ولا يستطيع أن يعتمد على نفسه في مزاولة أعماله اليومية أو ممارسة علاقاته الاجتماعية نتيجة لهذا القصور، ويجب ألا يقتصر تعريف الشخص المعاق والحديث عن معاناته على أساس أنه إنسان درجة ثانية أو على أساس أنه إنسان عاجز بدون فائدة وبدون طموح أو على أنه عالةً على المجتمع، فالمشكلة لا تكمن في المعاق بل تكمن المشكلة في هذه النظرة للمعاق وبالتالي يجب أن لا ننسى أن كل شخص معرض للإعاقة في أي زمان ومكان.

ومن بين أسباب الإعاقة تأتي الأمراض المكتسبة بنسبة 38.04 في المائة، الإعاقة الناتجة عن الحوادث المختلفة بنسبة 24.5 في المائة، الإعاقة الوراثية بنسبة 22.8 في المائة، وأمراض الشيخوخة بنسبة 14.4 في المائة. والإعاقة التي نَصف بها أحد إن كان من نقص جسدي موروث أو مكتسب توجد أيضاً في عقلية وفكر أسر المعاقين ومجتمعاتهم، فالشخص المعاق يصطدم بعقلية أهله التي لا تخرج عن دائرة تفكير المجتمع الخارجي وهي عقلية الإعاقة.

فبدل أن تحاول الأسرة زرع الثقة والطموح والأمل في نفس المعاق تحاول تحطيم طموحه على صخور الواقع الأليم وعرقلة حياته أكثر وأكثر، ورغم أن النظرة إلى المعاق تختلف من أسرة إلى أخرى غير أن السائد منها هي نظرة الشفقة والعطف، فبعض الأسر التي تنجب طفلاً معاقاً تتعامل معه بوعي وتؤمن له الرعاية والعناية والبعض الآخر منها ربما منعته الظروف الاجتماعية أو النفسية أو المادية من تقبل الواقع والتكيف مع حالة الإعاقة عند الطفل أو التسليم بها وردود الفعل هذه وطريقة التفكير والمعالجة تؤثر تأثيراً كبيراً على حياة هذا الطفل فهي تحول دون تحول حياته إلى عجز دائم أو تزيد في عجزه، فتفهم الأسرة لحالة الطفل ومعاملته معاملة الطفل الطبيعي يساعده على مواصلة حياته بشكل سليم ويشعر من خلال قبوله داخل الأسرة أنه مقبول في المجتمع لهذا فمهمة توعية الأسرة بكيفية التعامل مع المعاق حاجة ملحة.

لذلك يجب أن تحصل الأسرة على الإرشادات اللازمة لتعريفها بحقوق المعاق وواجباتها تجاهه لما يسهم هذا الوعي والتفهم لحالة المعاق في تقليل الشعور بالنقص وتنمي لديه الشعور بالذات والقدرة على المشاركة والمساواة داخل المجتمع، هذا المجتمع الذي يشكل جانباً مهماُ في حياة المعاق والذي يكمن في استيعاب المعاق والتعامل معه على أنه إنسان عادي له أحاسيس ومشاعر وأنه عنصر قادر على العطاء وعلى التفاعل والإبداع، ولا ننسى العديد من المبدعين الذين قدموا أعظم ما لديهم أثناء معايشتهم للإعاقة ومنهم على سبيل المثال: طه حسين والموسيقار العالمي بيتهوفن وغيرهم كُثر من مبدعين أطباء ومحامين وعلماء.

هذا كله يدفعنا إلى أن نتجاوز الحواجز الاجتماعية والطبيعية والنفسية التي فرضت عزل وفصل المعاق عن مجتمعه ومنعته من ممارسة حقوقه الاجتماعية والثقافية وإمكاناته التي قوبلت إما بالتجاهل أو التحامل المجحف وحجّمته داخل فكرة الإعاقة بخاصة أن هذا المعاق يعاني في مجتمعنا من التهميش والنسيان، حيث لا يكتفي المجتمع بعرقلة ممارسة المعاق لحياته بشكل طبيعي ومن عدم تهيئة البيئة المناسبة له ومن عدم مراعاة ظروفه النفسية والجسدية والاجتماعية، بل يزيد الأمر سوءاً ويوجه له كلمات العطف ونظرات الشفقة التي تسيء له وتؤلمه أكثر مما تسعده وتساعده والتي تجبره على الانطواء على نفسه.

لذلك على المجتمع مساعدة المعاق في التغلب على الجوانب السلبية التي يعانيها المعاق، ومن خلاله يأتي دور الدولة في الاهتمام والعناية التي تقدمها بالتعاون مع الجمعيات والمنظمات المهتمة بشؤون هذه الفئة والتي تهدف إلى أن يكون للأشخاص المعاقين إمكانية ممارسة حقوقهم وواجباتهم مثل غيرهم من الأشخاص العاديين، ويتطلب أن تتم رعاية المعاقين والبحث عن حالات إعاقة محجوبة عن النور سهواً أو عن عمد وخاصة في القرى النائية ومحاولة دمجها في مجتمعاتها وفي مؤسساتها التعليمية، وتساهم هذه الهيئات بعمل الإجراءات اللازمة لتوعية المجتمع بوجود الأشخاص المعاقين وحقوقهم وحاجاتهم وكذلك بقدراتهم ومساهماتهم وبضرورة احترامهم بشكل كامل من سائر أفراد المجتمع، وتعمل كذلك على توفير حق المعاق في التعليم من خلال دمجه في المدارس التعليمية العادية وتسهيل التنقل والحركة داخل هذه المدارس، وعلى تدريب المعلمين على طريقة تدريس الأطفال المعاقين والعاديين بنفس الطريقة وبدون تمييز عفوي أو عمدي، وكذلك توفير حق المعاق في العطاء بأن تكفل له فرص استغلال القدرات الفكرية والإبداعية للمعاق مما يعطي ويغني المجتمع ككل إضافة إلى أنها تعمل على تثقيف المجتمع والجمهور العام بأن المعاق ليس عاجزاً وليس عالةً على أحد بل هو عنصر فعال قادر على العطاء والإبداع إذا تسنت له الفرصة الحقيقية.
اِن وضعية الإعاقة والمعاقين في بلادنا وبشهادة المهتمين تظل في حاجة إلى تكثيف الجهود لانتشال هذه الفئة من الخصاص ودائرة التهميش التي تعاني منه. فحسب مجموعة من الفاعلين في الحقل الجمعوي الذي يهتم بالطفولة والأشخاص المعاقين، فالإعاقة بالمغرب تسير بشكل معاق، بالرغم من حركية بعض المنظمات والجمعيات التي تنشط في الميدان لفائدة المعاق، إلا أن ذلك لا يكفي.

والترسانة القانونية لم ينفذ منها شيء منذ 1985 إلى الآن، كما لا يمكن تنفيذها بحذافيرها في كل مناطق المغرب، لأن كل منطقة لها خصوصيتها وجغرافيتها الخاصة بالنسبة إلى الإنسان العادي والمعاق. ووضعية المعاق ببلدنا، مزرية، والشخص المعاق يعاني التهميش والبطالة والأمية والحرمان من الشغل، ناهيك عن التكاليف العلاجية والترويض الطبي الذهني والبدني، والأجهزة التعويضية باهضة الثمن.

فعلى الدولة أن لا تنظر لملف الأشخاص في حالة إعاقة بمقاربة إحسانية، بل بمقاربة مواطناتية وأن لا يتم تغييب المعاق عن ما ينجز بإسمه، لأنه يتم استعراض حالته فقط دون الدفاع عن حقوقه، كما أن عدم وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مناصب القرار للدفاع عن قضاياهم عامل أساسي في هذا الإقصاء. والدولة مدعوة للإسراع بوضع استراتيجية متكاملة تتحدد فيها مختلف الالتزامات الواجبة اتجاه المواطنين في وضعية إعاقة، لأن حماية الشخص المعاق أضحت همّاً مجتمعياً يهم الدولة في سياق مسؤولياتها اتجاه المواطنين، كما تهم تطوير الثقافة المجتمعية المشكلة لنظرة المواطن إلى الشخص في وضعية إعاقة.

أخبار | أمن | إقتصاد | ثقافات | نقد | بابرازي | الكشك | فيديو كاست | آراء وتحاليل | الخبر