العمل الكوريغرافي “ألهاكم التكاثر” لنجيب خلف الله…مأساة شعب ثائر لم يجن ثمار ثورته

ونس – يسجل الراقصون حضورهم على الركح تزامنا مع دخول الجمهور إلى قاعة العرض، إذ يشد الاهتمام منذ الوهلة الأولى جسم آدمي يرتدي بدلة حمراء اللون، في الواجهة الأمامية للركح، وقد أ حيط رأسه بقفص، للدلالة على القيود التي تمارس على الحريات الفكرية. أما بقية الراقصين فيؤدون حركات تعبيرية مختلفة داخل حم ام، وهو فضاء وظفه المخرج نجيب خلف الله للدلالة على تطهير البلاد من الديكتاتورية والاستبداد مباشرة بعد الثورة.

بهذا المشهد، استهل العمل الكوريغرافي “ألهاكم التكاثر” لنجيب خلف الله العرض الأول مساء السبت بقاعة الفن الرابع بالعاصمة، وهو عمل يدوم 70 دقيقة، وجس د اللوحات التعبيرية الراقصة كل من مريم بوعجاجة وآمنة المولهي وسندة الجبالي ووفاء الث ابتي ووائل المرغني ومروان الروين وباديس حش اش، بالإضافة إلى المخرج نجيب خلف الل ه.

ويحيل عنوان هذا العمل “ألهاكم التكاثر”، وفق المخرج، على “تهافت السياسيين على المناصب، والتناحر من أجل بلوغها، مقابل تناسي الأوضاع الحقيقية للمواطن والتغافل عنها”، مضيفا أن فكرة إنتاج هذا العمل نابعة من تعدد مشاهد العنف والإرهاب التي أحاطت بالبلاد، وعدم سعي أي مسؤول في السلطة لإيجاد حلول لها أو تقديم استقالته لفشله في إدارة شؤون الناس، بل يقدمون مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة العامة ومصلحة المواطن والدولة، لذلك سم ي العمل “ألهاكم التكاثر”.

ولتأدية معنى العنوان الذي تم اختياره لهذا العمل، اختار نجيب خلف الله أن يجعل من المكان سجن ا مظلم ا تخترقه إشعاعات ضوئية قد تكون بصيص أمل لشعب قام بثورة وآمن بتحقيق أهدافها. أما الزمان فقد ظل في المطلق، وربما تعمد المخرج تغييب عناصر الديكور عن الركح لصرف اهتمام الجمهور عن هذه العناصر المتممة للعرض وتركيز الاهتمام بما يقدمه الراقصون فحسب.

وتميزت حركات الراقصين بالانكماش والانغلاق في معظم المواقف، وهي حركات موظفة بإحكام خدمة للقضايا المطروحة في عرض “ألهاكم التكاثر”، وتدل على أن المواطن العادي قد أصبح أسيرا لأفكار السياسيين وقراراتهم المرتجلة وصراعاتهم على السلطة، مقابل تناسيهم لمشاكله الحقيقية التي انتخبهم من أجلها وتغافلهم عنها. كما كانت هذه الحركات التعبيرية الراقصة وفي ة إلى حد كبير إلى المكان (السجن).

وتراوحت الحركات التعبيرية الجسمانية بين رقصات فردية منحت الجسد كامل الحرية للتعبير عن كوامن الذات بكل عفوية وتلقائية، وبين حركات جماعية منظمة ومنسقة بشكل مبهر، وقد اتسمت الرقصات الجماعية بأسلوب التكرار لتضفي على العرض بعدا جماليا، ولتشكل من خلاله إيقاعا ذا منحى تصاعدي سيطر على أغلب ردهات العرض لكسر الرتابة عنه.

أما من ناحية المضمون، فقد حمل تكرار التعبيرات الجسمانية في عدد من المشاهد، معنى التأكيد على أجواء القلق والخراب والص راع من أجل البقاء، الذي تسبب فيه السياسيون بتهافتهم على المناصب، وعلى حالة التشتت والانقسام التي أصبح عليها المواطنون، مما ساهم في تفشي مظاهر القطيعة بينهم وسادتهم حالات من العنف والإقصاء لبعضهم البعض، حتى تحو ل الفرد من حبيس نظام ديكتاتوري قبل الثورة إلى حبيس لنفسه وأفكاره بعدها، خوفا من المجهول الذي تسير صوبه البلاد.

وقد يكون المخرج نجيب خلف الله وظف تكرار هذه الحركات لتهويل هذا الصراع السياسي على السلطة وآثاره النفسية السلبية على المجتمع، ورب ما لترسيخ صورة هذا الصراع والعنف في ذهن المتلقي ليظل حذرا على الدوام من مخاطره، فجعل من مشاهد الموت والقسوة والمعاناة السمة الطاغية على مشاهد العرض.

ينتهي العرض بتجر د الراقصين من ملابسهم التي اختار المخرج أن تكون ملابس عادية وغير مصممة خصيصا لهذا العرض، ويحيل هذا التجر د من الملابس التي تم إيداعها في مغسلة، إلى تطهير الجسد من الدنس أي تحرير الإنسان من قاذورات السياسة التي آلت به إلى التشتت والانقسام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد