دفـاع وتسلـح



تقارير


الكرة في ملعب الحكومة الجديدة

ايوب رفيق
الاثنين 6 فبراير 2012



الكرة في ملعب الحكومة الجديدة

ما أكثر المواطنين المغاربة الذي يعلقون آمالا كبيرة على حكومة جديدة انبثقت بطريقة يمكن وصفها بالنزيهة خلافا للإستحقاقات الماضية بقيادة حزب العدالة و التنمية الذي تنفس أخيرا الصعداء من المضايقات العنيفة التي لطالما تعرض لها في السابق, فمنذ إعلان النتائج التي أفرزتها انتخابات 25 نونبر و التي أشارت إلى فوز كاسح للحزب الإسلامي غير منحى الخريطة السياسية الوطنية و قلب موازينها,و المواطن المغربي يلمس مؤشرات التغيير الإيجابي الذي يطمح إليه بداية من التخلي عن تلك الممارسات الدنيئة التي سئم منها و ترجمة إرادته التي عبر عنها في صناديق الإقتراع على أرض الواقع و المتمثلة في تنصيب حزب جديد لم يأخذ فرصته بعد في تسيير الشأن العام على رأس الحكومة, مرورا بغياب الضبابية عن المراحل التي قطعتها الأغلبية لتشكيل الحكومة الجديدة ما يشكل معطى غير معهود و مختلف عن الحكومات السابقة التي كانت تشكل في ظروف غامضة تفتقد إلى حس الديمقراطية, و انتهاء بالخطوة الشجاعة و العقلانية التي قام به مجموعة من أعضاء الحكومة و ذلك بالتصريح علنا عن ممتلكاتهم ما يؤشر على أن هناك رغبة أولية من طرف مؤثتي مراكز القرار الجدد في القطع مع ممارسات الماضي.

نعم,تظل كلها إشارات إيجابية تعطي الشرعية لأحلامنا و طموحاتنا في رؤية مغرب حداثي و ديمقراطي,غير أن المواطن المغربي لن يكتفي بتمجيد هذه المؤشرات و التغني بها بل يريد خطوات حاسمة و ملموسة على أرض الواقع إذ سئم من لغة الخشب المكسوة بالوعود الكاذبة,فهو يهدف إلى محاكمة جميع رموز الفساد و القطع مع كل اشكال البيروقراطية,يريد سيادة الكرامة و العدالة الإجتماعية بتوفير السكن اللائق و التمدرس الناجع,يلح على الحد من المحسوبية التي تدمر مستقبل الشباب و تحبط أهدافهم.

فلا يمكن نفي أن هذه المطالب يصعب تحقيقها بسهولة إذ تتطلب الكثير من الوقت خصوصا و نحن نعيش في ظل هذه الظرفية الحساسة المتمثلة في الأزمة المالية العالمية,بيد أن الحكومة الجديدة لا يكمن دورها في تحقيق هذه المتمنيات فقط بل هي مطالبة أيضا بالقيام بإجراءات شجاعة لا تحتاج إلى انتظار المصادقة على قانون المالية و لن تكلف خزينة الدولة الكثير,لكن يبقى دور هذه الإجراءات كبير و مؤثر في إرجاع الثقة للفرد المغربي في العمل السياسي و في نجاعة هذا التوجه الذي يسير نحو هذا الوطن,و عليه فإن للجهاز التنفيذي الجديد فرصة ذهبية لا تتكرر كثيرا للبصم على بداية موفقة داخل دواليب تسيير الشأن العام, و لاستغلال هذه الفرصة فلا مناص من تطبيق مجموعة من الإجراءات التي لا تتطلب سوى الجرأة و الشجاعة, سأحاول استحضار بعضها على الشكل التالي :

_الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين:

لا يمر يوم إلا و نسمع عن اعتقالات تعسفية لأشخاص أدوا ضريبة التعبير عن آرائهم و امتلاك الجرأة بفضح المسكوت عنه فكان مآلهم هو الزج في السجون,لم يفصحوا سوى عن اعتقاداتهم حول ما يجري في بلدهم بغية تحسين أوضاعه و تنمية مجالاته بيد أن الرد غالبا ما يكون معاديا للأعراف الديمقراطية,فإذا كنا نصبو إلى تحقيق هذه الأخيرة فيجب فتح المجال أمام كل الأطراف للتعبير عن وجهات نظرها سواء كانت معارضة أو مؤيدة للتوجه العام,فلا يمكن تخيل دولة ديمقراطية دون سماع الأصوات المعارضة و التي غالبا ما تهدف إلى الإصلاح بانتقاداتها,و لهذا فلا أرى بدا من فتح مجال أكبر لحرية التعبير في إطار المعقول و إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين الذين لم يثبت تورطهم في المحضور و محاكمة الآخرين بطريقة عادلة ومقننة.

_صياغة قانون فعال للصحافة :

من يمكنه النفي بأن أوضاع السلطة الرابعة في هذا البلد مزرية و مأساوية إذ أنها لم تنل بعد القيمة الحقيقية التي تستحقها,و من أهم ما يمكنه تصحيح مسار هذا المجال هو إطار قانوني تتشارك في صياغته جميع المكونات المهتمة بالميدان و استحضار اقتراحات جميع الأطراف بغية الرقي بالصحافة المغربية و احترام خصوصيات الصحافي و عدم التدخل في منهجية عمله بحيث يظل هذا الأخير حاملا على عاتقه مسؤولية جسيمة تتلخص في نقل الحقائق و تنوير الرأي العام,فمن المستحيل بناء لبنات دولة ديمقراطية دون فسح المجال لرجل الإعلام لإيصال رسائله إلى أفراد المجتمع, غير أن الوضعية التي يشهدها هذا المجال تتنافى مع هذه الضوابط التي تبقى بعيدة المنال في ظل استمرار محاكمة الصحافيين بقانون لا يمت لمهنتهم بأي صلة و خير دليل على هذا المعطى هو محاكمة الصحفي رشيد نيني بالقانون الجنائي بدل التعاطي مع قضيته بقانون الصحافة الذي يظل للأسف معطلا لحدود الساعة,و عليه فأعتقد أن أولوية الأوليات لترميم التصدعات التي يشهدها هذا المجال هو صياغة قانون للصحافة ينظم بشكل فعال قطاع الإعلام و يمنح للصحافي القيمة التي يستحق.

_وضع حد لاستفادة اللوبيات من مقالع الرمال و رخص الصيد في أعالي البحار

من أهم ما يفجر الغضب الإجتماعي و يوسع الفوارق الإجتماعية التي تسود بشكل كبيرفي بلادنا هو انحصار الإستفادة من امتيازات معينة على أشخاص دون غيرهم ما يفرز نتائج وخيمة على المجتمع,فمن أكثر الأسباب التي تجعل المواطن يفقد الثقة في العمل السياسي و في أي تغيير إيجابي هو لمسه لتلك الإمتيازات الخيالية التي تستفيد منها لوبيات لا تذخر أي جهد في تعطيل مسلسل الإصلاح هذا إن كانت هناك نية للإصلاح في هذا الوطن,فاستفادة لوبي غني من رخص الصيد في أعالي البحار دون أدنى أحقية لن يزيد إلا في الإحتقان الشعبي و السخط الإجتماعية.

_ إلزام المجلس الأعلى للحسابات على رفع توصياته و تقاريره أمام الرأي العام

للإنتقال إلى مصاف الدول الديمقراطية و الحد من الفساد السياسي و المالي,قام المغرب بدسترة المجلس الأعلى للحسابات سنة 1996 بغية محاسبة و ردع كل المفسدين الذين لا يساهمون سوى في تلويث المناخ السياسي,لكن رغم هذه الخطوة التي أقدمت عليها الدولة إلى أن فعالية هذه المؤسسة لم ترقى إلى المستوى المطلوب و لم تلبي رغبات المواطن المغربي الذي يهدف إلى سيادة ربط المسؤولية بالمحاسبة,إذ أصبحت تتوالى على أذاننا أسماء ناهبي المال العام لكن دون أدنى تحرك من هذه المؤسسة الدستورية التي تعتبر صورية لا أكثر,فالمواطن المغربي يتوخى من هذا المجلس رفع تقارير جميع الخروقات التي يشهدها هذا الوطن و إمداد الرأي العام باسماء كل من سولت له نفسه تجاوز استعمال السلطة و نهب المال العام,و ليس الإكتفاء برفع تقارير و توصيات محتشمة غير مفعلة.

للحكومة الجديدة فرصة نفيسة سيكون لها دور مؤثر في ترتيب الأوراق في حالة انتهازها,و من هذا المنطلق ستظهر مدى قوة شخصية حزب العدالة و التنمية و باقي أحزاب الأغلبية في تحدي جيوب المقاومة و اللوبيات الذين يستنزفون خيرات هذا البلد منذ عشرات السنين,فكل الإجراءات المذكورة سلفا لا تحتاج إلى إمكانيات مادية بقدر ما تتطلب جرأة في وجه لوبيات الظل الذين يسيرون شؤون هذا الوطن بفضل آلة تحكم عن بعد تغنيهم عن أي صراعات مع الأطراف الأخرى في رحلة فرض آراءهم و توجهاتم.

و لهذا فلن ننتظر نهاية ولاية الحكومة الجديدة لتقييم أداءها و ضبط مدى نجاعة عملها,فالشهور القليلة المقبلة و تطبيق هذه الإجراءات من عدمها رهين بتوضيح الصورة حول رغبتها في الإصلاح و التغيير الإيجابي الذي يطمع إليه كل فرد في المجتمع.