الاشتراك بالرسالة الاخبارية


تابعونا ايضا على
Facebook
Twitter
App Store
Mobile
YouTube
Rss



           

دور الشباب في تنمية المجتمع المدني


نورالدين الوردي
الاربعاء 2 نونبر 2011



يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة سريعة في موضوع الذي نراه اليوم جد مهم في الحقل السوسيولوجي لجدة منظوره، فيما يخص تفكيك مجتمع القرن الواحد والعشرين الذي أصبح محكوما بقوى وبمنطق جديد مخالف لنظيره السابق، لطالما أضاف للحقل السوسيولوجي موضوعا يفتح آفاق الدراسة والتحليل والتفكيك للظاهرة الجمعوية في المجتمعات العربية على وجه التحديد؛ يحاول إبراز الإشكال العميق الذي أصبح يواجه الشباب راهنا إثر التحولات والتغييرات الجذرية الذي لحقت تمثلات représentations الحياة الجماعية والفردية في عالم الفردانية individualisme والعنف التي هيمنت على العالم، والذي لم يعد في أي شيء عالما اجتماعيا؛ حيث انبثقت عنه ذات sujet محرومة من دعم قيم اجتماعية تم تدميرها في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية أفرزته؛ غير أنه في خضم هذه التحولات بزغت ذات تعمل انطلاقا من وعيها الذاتي على خلق مجالات ومؤسسات وباستقلالية عن الدولة لدعم حريتها والمساهمة في الإبداع والخلق وأنتجت عملا جمعويا انبثاقا واستجابة لحاجات مجتمعية ملحة، وهنا تشكل جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني رهانا ممتازا لهذه المعارك، ويعتبر الشباب الفاعلون الرئيسيون لهذا الفعل actionباعتباره يقودون فعلا شاملا لإعادة تشكل التجارب الفردية والجماعية أكثر من تحررهم الخاص. إنه إذن بتصورهم أساس البناء الجديد لمجتمع اليوم.


دور الشباب في تنمية المجتمع المدني
يقول فريديريك نيتشه أن لا أمل في أن يمتلك الإنسان وجوده وكينونته إلا بالنضال من أجل إرادة القوة، والتي لا يمكنها أن تتحقق إلا بمجابهة تمثلات الواقع ومسلماته، والتضحية بالحياة واحتقارها، بحثا عن حياة ثانية كلها مجد وكرامة؛ لأن الإنسان كائن يمتلك الإرادة الحقيقية على تغيير نفسه وتغيير العالم من حوله، بحيث لا يظل الإنسان عبدا يتحكم في حياته الأسياد ويحجرون على تفكيره وحركته.
 
إن تراجع الدولة عن دورها في الميادين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ساهم في تزايد مبادرات أفراد المجتمع في الانتظام وبشكل منظم جماعيا داخل تنظيمات وجمعيات مختلفة من حيث الأهداف، وعرفت وثيرة متنامية ومتسارعة في العقود الأخيرة من الزمن، قوامها الأساس مبدأ "التطوع" في مختلف المجالات من أجل تحقيق أهداف مجتمعية في حياد واستقلالية عن الدولة.
I. في السياق التاريخي لمفهوم المجتمع المدني:
ظهر لأول مرة مصطلح المجتمع المدني (La société civile)في الفكر الإغريقي، حيث أشار إليه أرسطو بأنه "مجموعة سياسية تخضع للقوانين" بمعنى أنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني؛ والمقصود بالدولة في التفكير السياسي الأوروبي القديم هو المجتمع المدني على أساس أنه يمثل تكتلا سياسيا ما، يضم أعضاءه من المواطنين الذين يقرون بالاعتراف بقوانين الدولة ويتصرفون وفقا لمقتضياتها؛ لكن مع تطور الفكر الغربي على وجه التحديد، مع فلاسفة عصر الأنوار الأوروبية، جعلوا منه مقابلا للدولة الاستبدادية التي كانت يسود فيها نظام الحكم المطلق، بناء على ذلك اعتبرت الجمعيات هي النسق الأفضل لمواجهة مخاطر الاستبداد السياسي؛
كما سيعرف المفهوم تطورا في الفكر الليبرالي، حيث أشار هيغل في مؤلفه (مبادئ فلسفة الحق) "المجتمع المدني يتموقع بين الأسرة والدولة، تنتظم كلها داخل القانون المدني"؛ وهو تعريف يقوم على أساس التمايز بين الدولة، والتي هي تعبير عن سمو الفرد إلى الكونية، وبين المجتمع الذي يتكون من الأفراد والطبقات والجماعات ككيان متفرد يختلف عن الكيان الدولتي ويتمايز عنه، يتجسد في مجموعة من المؤسسات؛
أما في الفكر الماركسي فإن مفهوم المجتمع المدني استعمل لمواجهة السلطة الشمولية على أساس أنه فضاء يتحرك فيه الإنسان، بعيدا عن مصالحه الشخصية، واعتبره كارل ماركس "ساحة للصراع الطبقي"؛ وفى القرن العشرين، وفي إطار تفسير جديد لمسألة المجتمع المدني مع أنطونيو غرامشي الذي اعتبره "ساحة للتنافس الإيديولوجي" بين مجموعة من البنيات الفوقية {النقابات، والأحزاب، والصحافة، والمدارس، والكنيسة...}، تختلف مهامه عن وظائف الدولة وعن المجتمع السياسي.. كسلطة منظمة داخل المجتمع بعيدة عن تأثيرات الدولة، التي تدفع إلى إخضاع هيئات المجتمع المدني وتوجيهها حسب إرادتها؛ والتي فسرها فيما بعد يورغن هابرماس ب"الرأي العام غير الرسمي"، بمعنى ذاك الذي لا يخضع لسلطة الدولة، على إثر الانقسام الذي حصل في المجتمع الأوروبي مع احتدام الصراع بين طبقات تتفاوت مصالحها حينا أو تتناقض حينا آخر، انطلاقا من التمييز بين السيطرة السياسية، والهيمنة الإيديولوجية؛
ومع اتساع دور المجتمع المدني وتزايد أهميته في المجتمعات الديمقراطية، فقد أصبح يحظى باهتمام كبير ومتزايد عند الكثير من المفكرين والباحثين المعاصرين، وأخذ المجتمع المدني عدة تعاريف؛
جون لوك يرى بأن المجتمع المدني لا يختلف عن الدولة، بل عن المجتمع السياسي.، لكون أن المجتمع المدني هو"مجتمع المدينة" الذي يعني له (مجتمع التحضر) الذي لا يمكن أن يوجد ويتحقق إلا عندما يسمو القانون في العلاقات بين أفراده، أي أن المجتمع المدني يشترك مع الدولة في خاصية معيارية ومرجعية تتمثل في فرض القانون لتنظيم العلاقات الاجتماعية، لأنه يمثل ضمانة الحرية. وهنا يبرز الاختلاف بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، اعتبارا أن هذا الأخير ينظم السلطة، مما يعني أنه يشكل سدا أمام الحرية؛
دومينيك كولاس يقول بأن المجتمع المدني "يعني الحياة الاجتماعية المنظمة انطلاقا من منطق خاص بها، وبخاصة الحياة الجمعوية التي تضمن دينامية اقتصادية وثقافية وسياسية"؛
ويقول برتراند بادي "كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع دون تدخل أو وساطة من الدولة"؛
ووايت جوردون يصفه بأنه "مملكة توسطية تقع بين الدولة والأسرة، وتقطنها منظمات منفصلة عن الدولة، وتتمتع باستقلال ذاتي في علاقتها معها، وتتشكل طوعا من أفراد يهدفون إلى حماية مصالح أو قيم معينة"؛
ويرى عبد الغفار شكر بأنـه "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف"؛
ونفس الأمر عند سعد الدين إبراهيم الذي يعتبره ذلك: "المجال الذي يتفاعل فيه المواطنون، ويؤسسون بإرادتهم الحرة، تنظيمات مستقلة عن السلطة، للتعبير عن المشاعر، أو تحقيق المصالح، أو خدمة القضايا المشتركة"؛
إن هذا الاختلاف في تعريفات المجتمع المدني يقول فيه محمد عابد الجابري، فمهما كان، فإن ما هو بديهي ولا يمكن أن يكون محل اختلاف، هو أن المجتمع المدني أولا وقبل كل شيء "مجتمع المدن"، متفقا في ذلك مع جون لوك، وأن مؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهي إذن مؤسسات إرادية، أو شبه إرادية، يقيمها الناس وينخرطون فيها، أو يحلونها، أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي التي هي مؤسسات "طبيعية" يولد الفرد منتميا إليها، مندمجا فيها، ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة؛
وتتفق مجموعة من الدراسات الأكاديمية والجامعية على أن المجتمع المدني هو "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، أو لتقديم خدمات للمواطنين، أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف"؛
ويذهب عبد الله حمودي إلى القول في شأن نقل المفهوم الذي يعبر عنه المصطلح (أي المجتمع المدني) من بيئته الغربية إلى المحيط العربي دون تهيئة تربة جديدة ملائمة لغرسه باعتبار أن المصطلح إنتاج غربي، ويرتبط بمفاهيم الديمقراطية الليبرالية، هذا النقل يؤدي إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار "خصوصية الدولة المغربية وتركيبها، وأسس ونوعية العلاقات التي تنبني عليها سلطتها ومشروعيتها.. وإغفال ما يمكن تسميته بالشعور الذاتي لهذه التنظيمات، والرؤية التي تكونها عن نفسها ومسؤوليتها"، ويضيف أن هناك إهمالا لتعريف هيغل للمجتمع المدني الذي يركز على فكرة الوسائطية، التي تجعل المجتمع المدني وسيطا بين الأسرة والدولة، مما يستلزم تجاوز البنية العلائقية الأسرية والقبلية والعشائرية؛
غير أنه بالرغم مما يطرحه نقل المفاهيم والمصطلحات الغربية إلى الثقافة العربية من إشكاليات، خاصة في المجال المعرفي والفلسفي، لأن ثمة هناك ظواهر كونية تشترك فيها المجتمعات البشرية، ومن هذه الظواهر نزوع الإنسان بطبيعته إلى العمل الجماعي لتحقيق منافع مشتركة، وإذا كانت تجليات المجتمع المدني متعددة ومتنوعة، وتحمل كل منها خصائص المجتمع الذي انبثقت منه، والمكان والزمان الذين وُجدت فيهما، فإنها لا تخلو من عناصر مشتركة بينها، يعيد إنتاجها العقل الإنساني الكوني في أماكن مختلفة، وعصور مغايرة، ويطبعها كل شعب بطابعه الخاص انطلاقا من هويته المتميزة؛ على سبيل المثال عرف المغرب منذ زمن طويل، تنظيمات مدنية نشأت بعفوية، واستجابة لحاجات مجتمعية، وتتمتع بالاستقلالية؛ وإذا كانت الظروف السياسية قد أفرزت بعض الكيانات خارج هذا الإطار، فإن ذلك لم يؤد إلى اندثار أو تغييب العمل الجمعوي المنبثق من المجتمع، والذي يعمل انطلاقا من وعيه الذاتي، وباستقلال عن الدولة كما سنرى؛
يتضح من خلال كل هذه النماذج من التعاريف المذكورة للمجتمع المدني، ما يفيد في القول بأن مصطلح المجتمع المدني في التداول السوسيولوجي المعاصر، أو في الأدبيات السياسية الحديثة، معنى "الوسائط المبادرة" التي تنطلق بدء من الاتفاق على تشكيله وتأسيسه من خلال مجموع إرادات الأفراد الساعين من وراء ذلك تحقيق طموحاتهم وغاياتهم ومطالبهم التنموية.
II. مقومات المجتمع المدني
رغم تعدد واختلاف تعاريف المجتمع المدني فإن معظمها يركز على مقومات أساسية يستند عليها في وجوده ويمكن تلخيص أهم ركائزها فيما يلي:
1. التطوعية: وتعني الرغبة المشتركة لأصحابها بمحض إرادتهم الحرة في ظل تعايش واقعي مع ظروف المجتمع، غير مفروضة من طرف أي جهة، واختيارا لتقديم خدمة للمجتمع دون توقع لأجر مادي مقابل هذا الجهد للإيمان بقضية معينة مع ضرورة توفر القدرة اللازمة على التفاعل والتعايش مع كل أفراد المجتمع، ولا يتم إحداثها استجابة لتعليمات أو توجيهات من الغير، وممارسة أنشطة تستجيب للأهداف التي سطرتها لنفسها بعيدا عن أي ضغط أو تأثير خارجي، والوعي بجسامة المسؤولية، وبأهمية الانخراط في القضايا العامة بالاشتراك مع الآخرين، وما يقتضيه ذلك من تطوع وتضامن وتعاون من أجل المصالح العامة الأسمى، التي تعود بالنفع على المجتمع ككل؛
2. التنظيم: يخضع للقوانين السائدة والتي تتيح حرية تأسيسها من جهة، كما تخضع في تسييرها وقيامها بمهامها لقوانينها الأساسية، وأنظمتها الداخلية من جهة ثانية، وتقوم العلاقة بين أعضاء الجمعية على أساس التكافؤ واحترام كل الآراء والاجتهادات، مما يجعل الجمعية إطارا يتيح ويشجع كل الأعضاء على الابتكار والإبداع والخلق، والمساهمة الإيجابية في الوصول إلى الغايات المشروعة المشتركة.
3. الاستقلالية عن الدولة: فهي لا تكون أداة تُسخر، إنها منظومة ذاتية التأسيس والاشتغال، والعلاقة بالدولة لا تتسم برابطة التبعية، فعندما تكون هناك أوراش تساهم فيها الدولة والمجتمع المدني في نفس الوقت، فإن طبيعة العلاقة في هذه الحالة تكون مبنية على أساس الشراكة والتعاون، غير أن علاقات التكامل بينهما تخضع لسيادة القانون، أما إذا كانت الدولة تقيد الحريات، وتنهج أساليب القمع مع الأفراد والجماعات، فإن هيئات المجتمع المدني في هذه الحالة - إن وجدت - تكون قوة معارضة.
4. خدمة المصلحة العامة: إن كل أعمال ومبادرات منظمات المجتمع المدني لابد أن تصب في خدمة المصلحة العامة، من خلال تقديم خدمات لفائدة المجتمع وأفراده من الفئات المستهدفة منه، والأعمال الاجتماعية التي تستهدف الفئات المعوزة، ورعاية الأشخاص المعاقين أو في وضعيات حرجة تستلزم التدخل، وحماية الطفولة، والاهتمام بقضايا المرأة والشباب، ومحاربة الأمية والجهل، والوقاية الصحية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعميم مفاهيمها وثقافتها، ونشر قيم المواطنة، وحماية البيئة، والمساهمة في تنمية الحواضر والقرى، ومحاربة الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي، وترسيخ مقومات الهوية الوطنية، وما تتميز به من غنى وتنوع، والنهوض بالفنون، والتشجيع على الإبداع، وغير ذلك من المجالات ، دون أن تكون الغاية من وراء ذلك هي التجارة أو الربح، أو تحقيق المصالح الذاتية والشخصية للأعضاء.
5. عدم السعي للوصول إلى السلطة: كون أنشطة وأهداف المجتمع المدني لا تبتعد عن مجالات الشأن العام، فإنه لا يسعى من خلال ذلك الوصول إلى تبوئ مقاليد السلطة، و هذه هي زاوية تميز جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني عن المجتمع السياسي (الأحزاب السياسية) التي من طبيعتها أن تعمل للوصول إلى الحكم ومسك زمام السلطة؛ فأي جمعية أو تنظيم من المجتمع المدني لا تتدخل في كل المجالات، وإنما تختار أن تقدم خدمات معينة ضمن مجال تدخل محدد، ولا تدخل في المنافسات الانتخابية التي تعني الأحزاب السياسية، فلكل منهما منهج عمل مغاير عن الآخر، فالمجتمع السياسي يتنافس في الاجتهادات والبرامج التي تهم مجالات الشأن العام على تنوعها واختلافاتها.
عدم اللجوء إلى العنف: تقوم جمعيات وتنظيمات المجتمع المدني بالاحتجاج على السياسات التي تتبعها السلطات العمومية في مجال ما، أو في مواجهة إحدى الظواهر السلبية في المجتمع، وتمارس ضغوطاتها عليها لتحقيق فوائد للمجتمع، ومكتسبات للشرائح الاجتماعية التي تدافع عن مصالحها، فهي لا تنهج في سبيل ذلك إلا الوسائل السلمية المتحضرة، والمتمثلة في رفع المطالب، وإبداء الملاحظات، والحوار مع الجهات المعنية، واستعمال وسائل الإعلام والاتصال لتوضيح مواقفها، كما تلجأ إلى التظاهر السلمي إن اقتضى الأمر لذلك؛ ولا تلتجئ مطلقا إلى استعمال العنف، لأن المجتمع المدني مفروض فيه أن يساهم في تهذيب السلوك العام، وليس في ترهيب المجتمع، بل يعمل على تعبئة الطاقات لخدمة الصالح العام، ولا يهيج الناس من أجل التخريب والتدمير، فهو صمام أمان مجتمعي يعمل على نشر قيم التعاون والتضامن والتسامح والسلم، كما لا يزرع الحقد والكراهية.
III. مزايا المجتمع المدني
المجتمع المدني من المكونات الأساسية لكل مجتمع ديمقراطي حداثي في العصر الحاضر، يقوم بدور حيوي في تعبئة الطاقات لخدمة الصالح العام، والمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية والتقدم، يشتمل في أدائه لمهامه على مزايا كثيرة وفوائد متعددة، نشير إلى أهمها فيما يلي:
 ترسيخ الثقافة الديمقراطية، والتربية على المواطنة، من حرية، ومسؤولية، وتنظيم، ومشاركة، وتعدد، واختلاف، وحوار، وامتثال للأغلبية، وتسامح، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتعامل في إطار تنظيمي مؤسساتي وقانوني؛
 توسيع قاعدة المهتمين بالمصلحة العامة، وتقوية الإحساس بالانتماء الوطني، وزرع روح التطوع والمبادرة، والعمل الجماعي المنظم، والحد من النزعة الفردانية والأنانية، وتحقيق الاندماج والتعاون بين أفراد تجمعهم الرغبة المشتركة في خدمة المجتمع؛
 امتصاص حالات الاحتقان الاجتماعي والسياسي، واعتماد النهج السلمي في اتخاذ المواقف المختلفة، والتعبير العلني عن القناعات المتباينة؛
 تلبية الاحتياجات المتعددة والمتنوعة للأفراد من خلال انخراطهم في الأنشطة الجمعوية التي تتلاءم مع اهتماماتهم وميولاتهم وتطلعاتهم، وبضمان حرية تكوين وإنشاء الجمعيات، والانخراط فيها بدون تمييز، حيث لا يبقى هناك المجال لأي طرف كان احتكار العمل في المجالات الاجتماعية والثقافية والحقوقية وغيرها؛
مشتل تشكيل وتكوين وتأهيل النخب، تتيح لأعضائها التدريب على الخدمات العامة، والتمرس على العمل الجماعي المنظم، وفي أدائها لوظيفتها، تبرز المواهب والكفاءات في التدبير، ويتم اكتساب المهارات الجديدة، وتعميق الخبرة والتجربة من خلال تبادل الأفكار والتصورات وتقاسم التجارب وطرح الأفكار والرؤى والتصورات والدفاع عنها بكل جرأة وحرية، كما أن تبوء مواقع المسؤولية، والقيام بتوزيع الأدوار، وتنظيم العمل، وتدبير الاختلاف، والتقارب أو التوفيق بين الآراء، يساعد على امتلاك فن التدبير والتسيير.
IV. الديمقراطية فضاء لنمو المجتمع المدني
الديمقراطية تساعد في تحقق كل غاية مطلوبة من طرف أصحابها؛ فالمجتمع المدني لا يمكنه أن يرى النور إلا عند توفر الحرية، من أجل نموه وتحقيقه لأهدافه ومراميه في ارتباطه الوثيق بطبيعة المحيط الذي يوجد فيه، في جميع أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وكلما كانت العلاقات التي تسود المجتمع مرتكزة على القواعد الديمقراطية المؤسساتية، ومتشبعة بقيم التعدد والاختلاف، وروح المواطنة، والتنافس لخدمة المصلحة العامة، وحرية الاجتهاد، والمراقبة والمساءلة والنقد، فإن توفر هذه القواعد والقيم يفتح الفضاء الطبيعي لنمو المجتمع المدني وتطوره؛
وفي الارتباط الوثيق بين الديمقراطية والمجتمع المدني، أنه كلما ساد المناخ الديمقراطي في الحياة السياسية، وانتشرت الثقافة الديمقراطية، وترسخت قيمها في المجتمع، كلما ساعد ذلك على نمو وتطور المجتمع المدني، واتساع مجالات تدخله، وازدياد فعاليته في تحقيق أهدافه المجتمعية؛ ويمكن القول باختصار أن الحرية هي التي تساعد المجتمع المدني كي يرى النور، والديمقراطية هي الفضاء الطبيعي الذي يتيح له أن يعيش وينمو ويتطور.
V. العلاقة بين المجتمع المدني والدولة:
إن مفهومي الدولة والمجتمع المدني، يقومان على مبدأ تكامل الأدوار بينهما، تتميز وتتسم بالتوافق والتصادم في نفس الآن؛ وهي علاقة غير مبنية عل التنافسية، بل تقوم على أسس التكامل والتعاون والتشارك حول موضوع Sujet التدخل Intervention، مع الحفاظ لكل طرف في هذه العلاقة بآرائه ووجهات نظره وتصوراته في شأن قضايا المجتمع، والتي ترمي كلها في المصلحة العامة للمجتمع، من أجل البناء الحضاري والتقدم البشري غاية وهدفا، لأن المجتمع المدني جاء تتويجا لمرحلة من مراحل تطور الدولة، وسيظل في حاجة دائمة إلى دعم وضمان حماية أمنه من طرف الدولة، لمنع أي تجاوز قد يحدث نتيجة أي شطط غير شرعي وغير أخلاقي أو يمس بالأمن العام؛ كما أن وجود دولة قوية يرتهن بدعم وسند المواطنين، إذ أنه بمستطاعهم إذا ما تجمعوا وتكتلوا منتظمين في إطار تنظيمات مدنية، ييسر إبراز مجتمع مدني كقوة اقتراحية للدولة، ويكون له التأثير الهام في الرأي العام؛ لأجل بناء المستقبل التنموي الشامل للمجتمع، حيث ينبغي تدخل جمعياته وتنظيماته في المواجهة والتصدي لأهم مظاهر التحديات التي تقف في وجه هذا البناء، ومن أهم هذه التحيات التي تواجهه وتواجه الشباب على وجه التحديد:
• إحساسهم بالغبن والإحباط في المستقبل الناتج عن أوضاع التخلف المزري الذي استفحل انتشاره بقوة على عدة مستويات، سواء مننه التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛
• متاهات الشباب أمام ما أصبح يعرف اليوم ويروج له بصدام أو صراع الحضارات التي نتجت وتولدت عن الصراع والالتقاء الحضاري، وأصبح معه من الصعوبة بمكان خروجهم من هذه الدوامة، وما لازمهم في ذلك من ضياع أو فقدان لهويتهم؛
• صدمة الشباب بالمستقبل المفقود مع تزايد وارتفاع وثيرة مخاطر الغزو الثقافي الخارجي والتكنولوجي نتيجة للثورة الإعلامية التي تزرع أفكار وقيم غريبة ودخيلة تشجع ثقافة الاستهلاك؛
• مواجهتهم لمعضلة المنظومة التربوية والتعليمية، التي لا تقدم لهم الفرص الحقيقية في التنمية الفكرية المؤهلة للإبداع والخلق والابتكار والإنتاج، وبالتالي الاندماج الكلي في ميدان الشغل والحياة العامة، الأمر الذي يساعد في الانتقال إلى التنمية؛
معاناتهم مع مناخ الأنوميا Anomie، والمقصود بها كما جاء عند إميل دوركهايم خلل المعايير والقيم، أو عند ماكس فيبر تعدد أو بصراع الآلهة Polytésme وذلك في الصراع بين الرؤى والقيم المختلفة، هذا المناخ الذي يسود في أوساط الشباب بدخول قيم جديدة، وتضاؤل أهمية الأصول والمنحدرات، وتوسع حقل الاختيارات أمام الأفراد، وذلك كالمردودية والنجاعة، والكفاءة، والجودة، وتوسع حقل الاختيارات أمام الأفراد، وانتشار فكرة المساواة، وشيوع قيم التحرر: تحرر الأفراد والفئات الاجتماعية (المرأة الطفل...)، وذلك مقابل القيم القديمة القائمة على تراتبية قوامها أهمية رأس المال الرمزي، والشرف في تحديد المكانة الاجتماعية للأشخاص، وأولوية علاقات القرابة، وأخلاقيات الضمير، والطاعة، والولاء، والاتكال على الأقدار، مع ما يلازم ذلك من اختلاط واضح في سلم القيم، نتيجة تداخلها وتــعارضها أحيانا، بحيث تستفحل تناقضات أنساق هذه القيم بين الأجيال، أدى إلى افتقار الحياة الاجتماعية في المعيش اليومي الذي يؤدي إلى الإحساس بعد القدرة على الفعل Action، وبالتالي فقدان الإحساس بالانتماء إلى الجماعة، مما يحول دون الاتفاق على ما هو مشترك فيه مع الآخر التزاما منهم أمام المجتمع.
VI. الشباب والمجتمع المدني:
الشباب هم طليعة كل مجتمع، فهم عموده الفقري، وقوته النشيطة والفاعلة، وتكتسب هذه الشريحة المجتمعية أهمية بالغة باعتبارها موردا وطاقة بشرية ينبغي الاهتمام بتنميتها وتأهيلها في أفق قيامها بأدوار طلائعية في مجالات متعددة ومختلفة للنهوض بالمجتمع، في ظل تحدي التحولات والتغيرات الحاصلة اليوم والمتغيرة في الديمومة، ومن أجل المساهمة، بل والمشاركة في البناء الحضاري والتقدم البشري الذي هو غاية وهدف كل شعوب المجتمعات بجميع مكوناتها الفردية والجماعية، وتنظيماتها ومؤسساتها وقطاعاتها الحيوية؛ من بينها تنظيمات المجتمع المدني الذي يهمنا الآن، والمقصود بها كل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تقدم خدمات على اختلاف تنوعها ومجالاتها التي أنشئت من أجلها بشكل إرادي تطوعي بين مؤسسيها ومنخرطيها مع التخلي عن تحقيق الغاية الربحية المادية، واضعة على عاتقها أدوار ووظائف تؤديها خدمة لفائدة المجتمع في علاقاتها بمتدخلين آخرين وعلى رأسها الدولة؛
إن الدور الأساسي لتنظيمات المجتمع المدني واضح لأنه مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية في العمل (التطوع، المسؤولية والمحاسبة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات المستضعفة والمعوزة...)، مجال يرفض تفشي انتشار المحسوبية والزبونية والعلاقات العائلية والمصلحية الضيقة لإيمانه الراسخ بالفعل والممارسة للذات الجمعوية الفاعلة فيه، التي تتجلى في العمل والاجتهاد بما تملكه من قدرات بشرية ومادية، وما يمكن أن تقدمه وتسديه في تأهيل الشباب لتحمل المسؤولية، وتمكينهم من الأرضية الصلبة التي تحميهم من الفراغ الإيديولوجي، لتفعيل دورهم في النهوض بمكانة المجتمع في العصر الحالي..
بالإضافة إلى تعقد ظروف وشروط الحياة، تزايدت احتياجاتهم المتنوعة، وأصبحت في تطور وتنام مستمر، لذا فإن المجتمع المدني من خلال تنظيماته وجمعياته يساهم في إبراز أسلوب جديد للحياة في المجتمع وتنظيم العلاقات فيه، بما يضمن حل الصراعات بشكل سلمي في إطار الحوار تجنبا لكل مظاهر العنف، وذلك بناء على مجموعة من المعايير تتم ترجمتها إلي قيم ومعتقدات وسلوكات يومية، تشكل ثقافة الإنسان ونظرته إلي هذه القضية أو تلك، ومواقفه العملية فيها؛ وهذا يعني أن الفرد ملزم بالمشاركة الاجتماعية، والمساواة فيها؛
ويعتبر دور المنظمات رائدا في معالجة بعض القضايا ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وأصبح هذا الدور يضع خططا و برامج تنموية واضحة، مما يفرض الاختيار معها الآن رغبة ملحة وأكيدة من المجتمع ذاته على جميع الواجهات في إحداث التغيير والمشاركة في تحقيق التنمية؛
تتسم أبعاد العمل الجماعي والثقافي من داخل مكونات المجتمع المدني بأهمية بالغة في تنمية المجتمعات وتنمية قدرات الأفراد، على أساس أنه يمثل الفضاء الأرحب لممارسة الولاء والانتماء للمجتمع، لأنه يمثل مجالا مهما لصقل مهارات الشباب و بناء قدراتهم على استيعاب وفهم احتياجات المجتمع؛
إن الشباب هو العنصر الأساسي في عملية البناء والمستقبل؛ إذن لابد من تفعيل وأجرأة دورهم في بناء المستقبل الذي تتحقق فيه القيم الإنسانية وتحقيق الذات التي هي جوهر الديمقراطية؛ والاهتمام بالشباب هو مقياس المجتمع الفاعل؛ فالشباب هم الطاقة والإرادة والقوة، لذا يجب أن يكونوا على دراية ووعي كاملين بحقوقهم وحقوق المجتمع وواجباته؛
إن التركيبة الديمغرافية للمجتمع تتميز بارتفاع التزايد السكاني، وبالتالي زيادة معدلات النمو السكانية وارتفاع حجم الشريحة الشبابية؛ وأن هذه النسبة العالية تشكل قويا عاملا في ترسيخ المجتمع المدني القائم على أساس التعددية والاختلاف؛
إن التمييز والظلم والاستبداد والفقر والتهميش والفساد والنهب المنظم لثروات البلاد والجمود الثقافي وتهميش الشباب وتشجيع انتشار الأمية والجهل، والمخدرات والدعارة، وارتفاع نسب العطالة وزرع ثقافة العنصرية والتمييز والانغلاق على الذات وإقصاء الأخر وتوسيع هامش الخطابات الفاشلة وتعزيز نشر الثقافة التقليدية الرجعية للكبار وفرضها على الشباب، وخلق الصعوبات والأزمات الخانقة وتكريس عقلية رجعية عنصرية توصل إلى كوارث حقيقية مما لا يتناسب مع طموحات وأفكار شباب اليوم، وتضع الحواجز لكبح جماح رغباتهم وطموحهم نتيجة الموروث الثقافي التقليدي القبلي والعشائري والبيروقراطي المستفحل في أوساط الماسكين بزمام السلط والأحزاب، التي تحد من مشاركة الشباب، حيث هناك خلط بين تطوعية العمل المدني والتطوعية الضيقة حسب الفهم الحزبي التي تدل على نظرة أحادية الجانب وعدم قبول الاختلاف والتعددية، لذا يحدث إهمال الإبداع والخلق والتبخيس منه، والتيئيس لكل مبادرة، والتهميش والمحاربة بكل الأشكال والأساليب المتاحة؛
إن أي مجتمع لا يمكنه أن ينهض وأن يتطور ويتقدم، إلا على وعي أفراده في ديناميته وتنوعه واختلافه، على كافة الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومن هنا تأتي الضرورة لاندماج الشباب في تنظيمات المجتمع المدني، وفتح المجال لخلق أشكال جديدة من الفعاليات الحرة تعبيرا عن طاقاتهم وقدراتهم لبلورة مجتمع مدني قادر بالشكل المطلوب على تلبية احتياجات شريحة الشباب؛
وإذا كان الشباب هم الشريحة الأكبر في مجتمعنا اليوم، مما يؤكد على الدور الأساسي لهذا القطاع الاجتماعي في عصر الدينامية والتغيير والتطور والتنمية؛ ويعانون من التمييز والتهميش ومن مشاكل وعقبات تحول دون تحقيق طموحاتهم وطموحات المجتمع في العمل وتطوير النسيج الاجتماعي والبناء بغاية تحقيق التنمية المفتقدة؛ فالمجتمع المدني يفتح المجال والفرص أمام الشباب في اكتسابهم للمعارف وللقدرات الفكرية لتلبية احتياجات المجتمع؛
إذن تقع على الشباب مهام ومسؤوليات كبيرة خاصة في أخذ المبادرة في الإصلاحات على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وتفعيل العمل المدني التطوعي بجد وإخلاص، لتوعية المجتمع من خلال بناء تنظيمات جمعوية قوية ضمن نسيج المجتمع المدني التطوعي المشارك باختلافه وتنوعه؛ فمن داخل هذه التنظيمات يبرز دور الشباب بالوعي الاجتماعي والثقافي والفكري، ومحاربة الفساد، والاهتمام بالعلم والمعرفة، والمشاركة التطوعية القائمة على التواصل والتكامل والتسامح والاحترام والتنسيق في ظل ما يتعرض له المجتمع من ظلم وقهر؛
والعمل الجاد يتطلب ترسيخ مبادئ الديمقراطية والمواطنة واحترام حقوق الإنسان وتوعية الناس وتعريفهم بسمو مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة، والترويج لصيانة سيادة القانون وترسيخه واستقلال القضاء، من خلال توعية ثقافية مجتمعية مدنية، وتعزيز دور تنظيمات المجتمع المدني، والدعوة إلى التكثيف من المشاركة في العمل المدني التطوعي المبني على روح المبادرة والعمل التطوعي في المجتمع، لأن المجتمع المدني هو حركة تجديدية دينامية كما هو الشأن بالنسبة للشباب؛
ولكي يؤثر الشباب في مرحلة البناء والعمل وتطوير النسيج الاجتماعي المدني، لابد من امتلاكهم واكتسابهم المعارف والمهارات والقدرات الفكرية والفرص لتلبية احتياجاتهم واحتياجات المجتمع، حيث تبرز أهمية استقلالية الشباب ومسؤولياتهم في معرفة حقوق الإنسان وقواعد القانون والانفتاح والتوسع وتشجيع الحوار بين الثقافات والوصول إلى القيم الإنسانية والنزعة الإنسانية، على اعتبار أن الإنسان هو مصدر المعرفة لإلغاء سلطة الظلم والاستبداد والتمييز والعنصرية بأساليب حضارية وسلمية ومدنية وإنسانية، تنبني على ثقافة التسامح ولغة الحوار، وما انجذاب الشباب إلى العمل من داخل تنظيمات المجتمع المدني، واهتمامهم بالفعل المؤسساتي المجتمعي، إنما هو إيمانهم بدورها القوي والمؤثر في إحداث التغيير والإصلاح لتحقيق حرية وكرامة الإنسان وتطوير المجتمع وتنمينه؛
إذن، لتوفير ظروف وشروط أفضل للممارسة والفعل من داخل هذه التنظيمات، ينبغي:
 تعزيز انتماء ومشاركة الشباب في مجتمعهم وهمومه وقضاياه؛
 تنمية قدراتهم ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية، مما يتيح لهم التعرف على الثغرات التي تشوب نظام الخدمات في المجتمع؛
 تمكينهم من التعبير عن آرائهم و أفكارهم في القضايا العامة التي تهم المجتمع؛
 توفير الفضاء والفرص المتاحة في أداء الخدمات والاهتمام بمشاكلهم ومشاكل المجتمع بأنفسهم؛
 منحهم فرصة المشاركة في تحديد الأولويات التي تحتاجها البلاد، و المشاركة في اتخاذ القرارات؛
ففي ظل توفير هذه الشروط، أمكن الحديث عن وجود مجتمع مدني قوي ومستقل ومهني، يكمن في النأي بنفسه عن كل الاصطفافات والانحيازات الإيديولوجية والسياسية الضيقة، وتشبثه بأطروحاته المهنية والحقوقية، ليضع بينه وبين السلطة ومواليها ومعارضيها بونا يحول دون المنافسة لها، كي يضمن لنفسه هامشا من الحرية في أداء مهامه والقيام بالوظائف المنوطة به، دون أن يعني اتخاذه موقفا حياديا إزاء الحقوق والحريات طمأنة لجميع الفرقاء، لاسيما السياسيين منهم، بأن المجتمع المدني ورموزه لا يشكلون خطرا عليهم أو على السياسة بإقحام أنفسهم للحصول على بعض المكاسب أو المناصب؛ وبذلك يكون المجتمع المدني قد حقق تمسكه بوظيفته في الرصد والمراقبة والاحتجاج والاعتراض والاقتراح لبدائل عما هو قائم، يساعد ذلك في إنتاج مواقفه المستقلة والناقدة تجعل منه شريكا وضامنا في الآن ذاته لديمومة عملية التغيير، على الرغم من الالتباس في هذا الدور وصعوبته.
VII. من أجل مجتمع مدني قوي ودينامي:
دخل المغرب منذ مطلع القرن العشرين في مخاض تحولات شاملة، متلاحقة، ومتسارعة تراوحت بين العنف اللطيف والعنف الحاد، تحولات كانت تأثيراتها العنيفة تتزايد كلما تعلق الأمر بتفكك للبنيات التقليدية: التنظيم القبلي، وبنيات القرابة، والبنيات العقارية، وأنماط الملكية، والتراتبية الاجتماعية التقليدية القائمة على الحظوة والشرف، وكذا البنيات السلوكية والذهنية والإدراكية ومنظومة القيم المحايثة لها؛
للخروج من سيطرة السلطة على الموارد وإلغاء أدوار ووظائف المجتمع المدني، وكل الأشكال المرتبطة بأهواء التحكم المستبد في أدائها لخطابها وممارساتها؛ تحاول السلطة فيه أن تخضع جميع المؤسسات لسيطرتها وتشويه المجتمع المدني وتفكيكه واستمرار التدمير المنهجي لركائزه؛
إن البناء لثقافة مدنية هي ركيزة أساس لحل الأزمات المجتمعية في انسجام وملاءمة مع المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية؛ لأجل ثقافة تقوم على توجيه وتأهيل الشباب الذين هم أجيال المستقبل وطليعة المجتمع وعموده الفقري وقوته النشيطة والفعالة والقادرة على تعميق التعددية والتفاعل وبعث روح المبادرة والمشاركة الطوعية بغية ترسيخ مؤسسات وتنظيمات مدنية عصرية ومتحررة من قمع السلطة وكل من يدور في فلكها، بالرفع من مستوى الوعي والمسؤولية والجدية والتفاني في العمل من داخلها، وجعلها قوة نشيطة وحيوية مؤثرة وقادرة على مواجهة التحديات وتذليل الصعاب مما سمح بالرقي والتطور؛
إن الانخراط والانتماء إليه يساعد على حرية اكتساب الرأي والرأي الآخر وقبول الاختلاف، والانتقال من الفردانية والشخصانية والمركزية للرأي وللقرار إلى الاندماج في الجماعة، من شأنه أن يساعد على بلورة التعددية بواسطة ثقافة الحوار والتسامح والاحترام كأساس مركزي في ثقافة المجتمع المدني، التي تدعم وترسخ البناء الفكري للشباب في وجه كل تحديات التحولات والتغيرات القائمة، مما يضاعف المسؤولية المجتمعية المنوطة بتنظيماته الجمعوية تجاه الشباب ليلعب دورا أساسيا تكامليا مع أدوار الدولة وأجهزتها وغيرها؛
وكما يقول الدكتور سعيد بنسعيد العلوي: والحال أن الصورة التي يستوجبها المستقبل القريب، في الغد المنظور، (..) تستوجب انخراطا (..) وانشغالا (..) على أسس من العقلانية والواقعية، إن لم نقل لدواعي براغماتية مقبولة في الوجود الاجتماعي للبشر. (..) من حيث هي أولا وأساسا اهتمام بالشأن العام وجعل له في بؤرة الشعور وفي صدارة الاجتماع ابشري.
يلاحظ وجود حيوية في المجتمع المدني وتنظيماته تستحق التنويه أحيانا غير قليلة، كما يتجلى ذلك في المناسبات التي تستوجب التضامن واللحمة الاجتماعية؛ تحمل الظاهرة تلك على طرح سؤالين اثنين أو، بالأحرى، سؤال له شقين: هل تمكن الاستعاضة بالمجتمع المدني عن المجتمع السياسي في العالم المعاصر وفي الوجود السياسي السليم؟ وهل يمكن للمجتمع المدني، من حيث هو كذلك، أن ينهض بالشأن السياسي؟ نقول، في عبارة أخرى، هل في الإمكان الحديث عن نظام ديمقراطي والنظام يتطلع إلى إقرار الحياة الديمقراطية الطبيعية؟؛ نحسب أن خير إجابة عن الأسئلة السالفة، أو بالأحرى السؤال الواحد في صيغه المختلفة، ومجموع التجارب التي عاشها العالم العربي منذ مستهل خمسينات القرن المنصرم أو التي لا يزال يعيشها في مناطق منه بكيفيات متنوعة في الظاهر متماثلة في العمق؛ (..) إن في وسع المجتمع المدني أن يحل محل المجتمع السياسي وينوب عنه أو ينوب منابه كما يقول علماء الكلام المسلمون.
VIII. المجتمع المدني والتغيير:
إن وظائف المجتمع المدني تشكل منظومة حركية دينامية تواصلية، في إطار فلسفة استراتيجية واضحة في أساليب العمل والوسائل لتحقيق أهدافه، يمكن استبدالها وتغييرها تبعا لكل حالة، إضافة إلى المواقف الرسمية ذاتها ومدى استجابتها لمطالب المجتمع المدني وحقوق مكوناته المختلفة؛ لكن في كل الأحوال والظروف فإن حل التناقض بين الدولة والمجتمع المدني سيكون عبر التدخل السلمي المدني، ومن خلال التراكم والتطور التدريجي، وصولا إلى استكمال الشرط التاريخي لعملية التغيير موضوعيا وذاتيا؛ فلكل عملية تغيير أسس ثقافية تسهم من خلال التراكم والتطور التدريجي؛
للمجتمع المدني دور مهم في عملية التغيير، يتأتى له ذلك في تماسكه من خلال الحفاظ على التمسك الشديد باحترام روح القوانين والحقوق ورعايتها بعد التغيير، وهو أمر في غاية الأهمية، لاسيما وأن الكثير من الثورات ولأسباب موضوعية، بددت وقتا وجهودا جبارة ضيعت إمكانات هائلة بسبب انفلاتات أعقبتها وأعمال عنف لازمتها، مما ينبغي عليه أن يواصل هذا الدور من دون الاستغراق في الحصول على بعض مكاسب التغيير، مثلما قام به من أدوار تحسيسية وتوعوية وتنويرية في شأن نشر الوعي الحقوقي والقانوني وثقافة اللاعنف؛ لأن ذلك سيقلص من وظيفته ويجعلها تصنف في العمل السياسي، في حين أنها مدنية حقوقية، مهنية، لأنه لا يسعى للوصول إلى السلطة أو إقصاء الآخر وإلغائه، وإلا بماذا سيختلف عن دور الأحزاب والتنظيمات السياسية الطامعة في الوصول إلى السلطة وتحقيق برامجها؛
وبقاء المجتمع المدني وفاعليه يرتهن ببعده عن السلطة وأذنابها، الأمر الذي يمكن أن يفتح بابا لدخول شركاء جدد في الحياة العامة؛
واعتقادا أن الشباب الطامحين إلى التغيير والحرية والعدالة، وقبل كل شيء إلى الكرامة سيكونون متفهمين لمثل هذا الدور، حيث سيمثل لهم المعين والمساعد والداعم لهم في قيامهم بمهامهم الكبرى وتحقيق طموحاتهم بغية الوصول لتحقيق التغيير المنشود من خلال البناء، الذي يعد الركيزة الأساس في عملية التغيير، بل هو جوهر التغيير ومضمونه، من أجل كسب الرهان المجتمعي في بناء المساواة والشفافية..بتخليق الحياة العامة، ومحاربة كل مظاهر الفساد، وترسيخ قيم الشفافية وتعميق التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والحرية وقيم الاختلاف، وبربط المسؤولية بالمحاسبة والجدية والصرامة في تطبيق روح القانون، وتوظيف منتديات الحوار في بناء المستقبل، مستقبل الديمقراطية والحداثة؛
ومما لا يدع مجالا للشك، أن بعض الحكومات كانت تتصرف بذكاء أحيانا مع بعض الفاعلين في المجتمع المدني حين تشعر بالاطمئنان من أن المجتمع المدني لا يريد إزاحتها أو إلغاء دورها والحلول محلها، فتصفق لهم بحرارة حتى وإن كانت تختلف معها، وفي حالة ما إذا تجاوزنا هذا المفهوم الذاتي، فهناك تصورات موضوعية يتعلق بعضها في الوصول إلى فهم مشترك بين الحكومات والمجتمع المدني، وإن كان لم يتبلور بعد، لاسيما في بلداننا، من أن المجتمع المدني هو موجه في إطار ما هو قائم ولا يريد التدخل بالسياسة أو إحداث تغييرات بالقوة، ولهذا تحاول الدولة وأجهزتها تطويعه أو تدجينه أو إغراء بعض فاعليه لإضعاف قوته المؤثرة في الفعل وتشويه دوره، الأمر الذي يستوجب إظهار الجانب الآخر من خلال تأكيد حرصه وإصراره على الإصلاح والتغيير بما يؤدي إلى احترام الحقوق والحريات، لاسيما من خلال فضاء الحوار والعلاقة مع الآخر؛
يمكن القول أن غياب تنظيمات المجتمع المدني أو تغييبها أمر يرادف تمركز السلطات، والعكس صحيح جدا، فكلما قام النظام السياسي على التعددية والديمقراطية وفصل السلطات، كلما كان المجتمع المدني مستقلا وقوة مؤثرة وفاعلة وتلعب أدوارا نشيطة في الرقابة والشراكة، لأنها جزء من الدولة وكياناتها وسيرورتها.
على سبيل الختم:
وما يمكن الختم به هو القول الآن، يقع على عاتق الشباب مسؤولية كبيرة للنهوض بأنفسهم أولا ومن بعد مجتمعاتهم.. ولا نريد أن نلقي بأخطائنا وإخفاقاتنا على المجتمع ومؤسساته .. لا بل تحميل الشباب نداء واجب الانتماء للوطن والنهوض به نحو الحرية والتقدم والتنمية الحقيقية، وليأخذوا مشعل المبادرة اليوم بصناعة الوعي الفكري وتحطيم كل الأوثان والأصنام التي صنعتها الأنظمة وجعلتها في مقام المقدس من أجل قتل إرادة الإنسان وإجهاض أحلامه واستنزاف مستقبله، وبهدم كل الأسس الميتافيزيقية التي تسيج بها الأنظمة نفسها والتي يساندها علماء السلطان وتحميها النخب الوصولية والانتهازية، وعدم انتظار مبادرات الغير، من أجل الحقوق المهضومة والكرامة المستلبة.
مصادر ومراجع:
• عبد الحسين شعبان، "أي دور للمجتمع المدني بعد انتفاضات الشباب!"، جريدة الناس، بغداد، 11/05/2011 (بتصرف).
• أمين عثمان، "الشباب والمجتمع المدني"، موقع المجلس الوطني الكردستاني-سوريا، (بتصرف).
• د.سعيد بنسعيد العلوي، "المصالحة مع السياسة في المغرب" جريدة الشرق الأوسط: موقع مغارب.كم، 29شتنبر 2011.
• عبد الغفار شكر، "المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية"، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، ط:1 دمشق 2003.
• د.محمد سبيلا، "الفلسفة وتحولات المجتمع المغربي"، نص الدرس الافتتاحي الذي ألقي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس يوم 07 /11/2006 بمناسبة افتتاح مسلك الفلسفة بها، منشور بالموقع الإلكتروني للدكتور محمد سبيلا.
• فهيمه خليل أحمد العيد، الأدوار التكاملية لمختلف هيئات المجتمع المدني، مؤتمر التوافق السنوي الثالث: "هيئات المجتمع المدني والتنمية الوطنية"، (بتصرف).
• عبد الله الذيفاني، الشباب العربي والمعاصرة من منظور فكري تربوي.
• د.عزت الحجازي، الشباب العربي ومشكلاته، (بتصرف).
• نورالدين بوصباع، فلسفة الثورة وحكمة التغيير، هسبريس، 7 يونيو 2011، (بتصرف).
• Glossaire-société civile, (http//www.wolton.cnrs.fr/glossaire/fr).

نورالدين الوردي
باحث في السوسيولوجيا، متصرف إداري
ouardifes@hotmail.com



تعليقات على المقالات

1.أرسلت من قبل Mourad Outmani في 05/12/2011 11:54
Facebook

أخبار | أمن | إقتصاد | ثقافات | نقد | بابرازي | الكشك | فيديو كاست | آراء وتحاليل | الخبر