محمد بنيس : للشعر ضرورة مضاعفة اليوم، وما يجب أن يبقى هو اللغة

محمد بنيس 

ويظل سؤال اللغة بالنسبة لمحمد بنيس، الشاعر غير المتفائل وغير المتشائم بل الشاعر المتسائل، سؤالا متجددا ومتواصلا كأنه يحفر في أعماق بعيدة ولا يخرج من هذه الأعماق بل يستمر في الحفر.

إن الاهتمام باللغة الذي كان في البداية مجرد حدس لم يعد كذلك، بل تحول إلى هم شعري يومي ثم إلى هم ثقافي لأن “مسألة اللغة في عالمنا الحديث جدية، ذلك أن اللغة تتعرض الآن للهجران وبمستويات متعددة، ولابد أن ننتبه لهذا، ونحن كنا نعثر أحيانا على شعراء هم أول من لا ينتبهون إلى أن اللغة مهددة، ويعتبرون أن الكتابة هي مجرد نزوة أو مجرد نشوة أو تزيين”.

وهذا يعني، في نظر الشاعر، أن المنطلق له أساس واقعي والاستمرار فيه “يشكل بالنسبة لي باعثا على التشبث بالسؤال والاستمرار فيه بدون تراجع وبدون تنازل أو تساهل”.

وعن العلاقة الملتبسة بين الشعر والسياسة، يوضح صاحب ديوان “ورقة البهاء”، أن لغة الشعر مفتوحة فيما لغة السياسة مغلقة على لحظة محددة نفعية وذات نتائج فورية. ويجزم بأن الشعر ليس هذا هو ميدانه، بل هو يشتغل على ما هو بعيد فينا وحولنا، وهذا هو الذي يعطي المعنى الأعمق للحياة.

نعم إن السياسي يقوم بحل مشاكل تسيير المدينة بالنسبة للأفراد والجماعات، يستطرد الشاعر، لكن الشعر يقوم بحل مشاكل أخرى تعترض الوجود الإنساني من حيث الارتباط بالحياة والكون وبالآخرين حيث ما كانوا. الشعر هو الضوء الذي لا يمكن أن يأخذ في اعتباره الآنية أو الظرفية. إنه يذهب أبعد مما يمكن أن يتخيله السياسي.

وهنا يمكن التأكيد دائما بأن السياسي محتاج للبعد الشعري ليكون ذا إبداع في الرؤية، والشاعر لا يمكن أن يكون، في هذه الحالة، “مجرد خادم للسياسي أو مجرد مطيع ومكرر ومنفذ لما يقوله”.

ويذكر بنيس بأنه دافع دائما عن أن الشعري ليس تابعا للسياسي، ولكن له فضاؤه الخاص الذي يجب أن نستكشفه أولا، وعندما نستكشفه يجب أن نعود إليه ونشيعه ونعمل على تعميمه. وهذا هو الهدف البعيد من الاستمرار في الكتابة والتنبيه إلى أهمية الشعر في حياتنا وعدم اختزال الحياة الإنسانية في لحظة آنية يمثلها السياسي بما يأخذه من قرارات ومواقف.

وعن الحركة الشعرية الجديدة بالمغرب، يختلف بنيس كثيرا مع قول البعض إنها حركة متواضعة ومحدودة وتوقف بريقها مع شعراء جيل السبعينيات، مشددا على أن ثمة حيوية شعرية قوية جدا في المغرب حاليا. “هناك شبان جيدون لهم الجرأة في الكتابة والبحث، وأنا أحييهم. لهم حضور مغربي وعربي وهم يفتحون أفقا جديدا للقصيدة في المستقبل ليس بالنسبة للمغرب فقط، ولكن بالنسبة للعالم العربي أيضا، والقصيدة التي يكتبونها مهيأة لتلتقي بالعالم وتتحاور مع شعرائه”.

لذلك، فإن النظر إلى هذا الشعر، يرى بنيس، لا بد أن يكون له وعي بالوضعية الشعرية الآن في العالم العربي وفي العالم حتى يستطيع أن يرى جيدا ما الذي يحدث. “نعم إنها حركة شعرية بدون ضجيج وربما لأن الضجيج يختفي عنها، هناك من لا يستطيع بعد أن يرى. لكن العمل الشعري سيفرض نفسه، وأنا متأكد بأن الحركة الجديدة في الشعر المغربي لها مكانتها وستثبت مع الأيام”.

وعن موقع الشعر على شبكات التواصل الاجتماعي، أوضح أن هذه الشبكات تطرح سؤالا كبيرا حول فاعليتها بالنسبة لجودة العمل المكتوب، بالنظر إلى انتفاء قيود أو شروط على النشر فيها بخلاف المجلة أو الديوان أو الجريدة الورقية، مستطردا أنه رغم جميع السلبيات المعروفة، هناك جانب قد يكون مفيدا وهو أن قراء الشعر زاد عددهم بفضل هذه المواقع.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، في نظر الشاعر، هو ما هي هذه القراءة؟، هل هي قراءة متفحصة أم مجرد اطلاع؟، فضلا على أن الكتاب هو الذي يوفر العلاقة الحميمة والعميقة بالعمل الشعري والعمل الثقافي بصفة عامة.

وعن موضوع النشر، يؤكد بنيس أن هناك حاليا إمكانات أوسع للنشر في المغرب مما يمكن أن يوجد في دولة عربية أخرى، لكن المشكل هو أن القراء لا يقبلون على الشعر لأن الاهتمام الإعلامي منصب على الرواية، وهذا ما يشكل عائقا أمام وصول القارئ إلى قراءة الشعر. ولابد أن نفصل بين هذا الواقع الثقافي العام وبين واقع النشر ووجود الدواوين الشعرية في المغرب.

وفي ما يخص مواكبة النقد للشعر بالمغرب، أكد بنيس أنها مواكبة جيدة بالمقارنة مع بلاد عربية أخرى، سواء من خلال الصحافة أو من خلال الدراسات الجامعية، مبرزا أن هناك انتباها كبيرا للشعرية المغربية ولشعراء مغاربة، وهو ما أصبح يشكل متنا يستحق التقدير والتأمل. “أرى أن ما تحقق بالنسبة للشعر المغربي داخل المغرب أو خارجه هو شيء مهم جدا، رغم أنه يحتاج إلى إظهار أكثر وإلى اشتغال أكبر في هذا المجال”.

ويجزم صاحب ديوان “هبة الفراغ”، الذي سيصدر له قريبا كتاب في حلة جميلة بعنوان “أندلس الشعراء”، بأن الشعر المغربي له حاليا مكانته التي تترسخ يوما بعد يوم، والحركة النقدية تنتبه إليه، وأن الحركة الشعرية المغربية مفتوحة الآن على الأفق العالمي، معتقدا “بدون مبالغة أنها في مقدمة الحركات الشعرية المفتوحة على العالم”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد