مكتبة “إل أطينيو غران سبلينديد” أيقونة ثقافية أرجنتينية تستهوي زوار بوينوس أيريس

هشام الأكحل - و م ع

خوان بابلو مارسياني

بوينوس أيريس – أن تجلس فوق خشبة المسرح وأنت تغوص بين دفتي كتاب وتمتد يدك من حين لآخر إلى فنجان قهوة ترتشف منه، فليس ذلك مشهدا من أحد المشاهد المسرحية التي قد يؤديها ممثل ما.. بل هو التماهي بين والمكان والزمان والأجناس التعبيرية، معادلة يتسنى تحقيقها من خلال زيارة مكتبة “إل أطينيو غران سبلينديد” وسط العاصمة الارجنتينية بوينوس أيريس.

هي مكتبة صنفتها الصحف العالمية والمواقع الالكترونية المتخصصة كواحدة من أجمل المكتبات في العالم، حيث كانت في البدء مسرحا مازال إلى اليوم يحتفظ بكل جمالية المكان، من رسوم ملونة تزين السقوف العالية وشرفات ومنحوتات تشد انتباه الزوار، بل حتى الستار الأحمر مازال شاهدا على زمن تألق فيه فن الركح وعاش خلاله الفضاء أمجاده لسنوات عديدة حتى مطلع الألفية الثالثة عندما تقرر افتتاحه من جديد وقد لبس حلة مكتبة ضخمة دون أن تتخلى عن شكلها الأصلي.

“هذه الأيقونة الفنية تمثل مركزا ثقافيا يحظى بأهمية كبيرة ليس في الارجنتين فحسب، بل في العالم أيضا، على اعتبار أن كل من يقوم بزيارة العاصمة بوينوس أيريس لابد أن يعرج على إل أتينيو” ، هكذا يقول المكلف بالتواصل، خوان بابلو مارسياني، في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، مبرزا أن المكتبة باتت تندرج ضمن المواقع التي يستحيل على السائح الأجنبي أن يغض الطرف عنها وهي من قبيل “ال كامينيتو” بحي لابوكا الشهير أو معلمة “ال أوبيليسكو” أو ميناء بويرتو ماديرو.

ويضيف مارسياني بالقول يتعلق الأمر بمعلمة فنية تم تشييدها سنة 1917 من قبل رجل الأعمال النمساوي، دافيد موردخاي غلوسمان، الذي استطاع أن يسجل اسمه كأحد أبرز الوجوه الثقافية في الارجنتين، من خلال تجسيد حلمه ببناء صرح فضاء تنصهر فيه مختلف الثقافات ويكون ملتقى لجميع شعوب العالم الذين يتحدثون لغة كونية مشتركة تتمثل في الثقافة ومختلف أشكال التعبير عنها.

وعلى امتداد القرن العشرين، يردف مارسيانو، ظل مسرح “غران سبليديد” ذلك الفضاء الذي يشع ثقافة ليس على مستوى أبي الفنون فحسب، ولكن أيضا كان مزدهر سينمائيا وإذاعيا من خلال إطلاق محطة “راديو سبلينديد” وهي إحدى أهم الاذاعات وقتئذ، كما أن الفضاء المتواجد بشارع “سانتافي” شكل لسنوات مقصد الفنانين وفي مقدمتهم مغني الطانغو الشهير كارلوس غارديل الذي سجل باستديوهاتها عددا من روائعه.

ولكن في المقابل، يوضح مارسيانو، ازدهرت الحياة الثقافية في قلب العاصمة وظهرت مسارح كثيرة على مستوى شوارع “كورينتيس” و”لافاشي” و “فلوريدا”، ما جعل مسرح “غران سبلينديد” يضطر لاغلاق أبوابه لفترة غير يسيرة قبل أن يكتب له العودة من جديد وتحديدا في ماي من سنة 2000 وهذه المرة من خلال مكتبة بمواصفات عالمية مع الاحتفاظ على كل تفاصيل الزمن القديم.

في تقدير مارسيانو، فإن فلسفة المكتبة لا تقوم على منطق تجاري محض، بل يمكن لروادها الاستمتاع بروعة المكان والانغماس في قراءة كتاب وإعادته إلى مكانه دون أن يكون مضطرا إلى اقتنائه، وذلك لأننا في فضاء نتقاسم فيه هما واحدا يتمثل في حب المعرفة والقراءة.

ويؤكد مارسيانو أن آلاف الزوار يقصدون “ال أطينيو” يوميا خاصة وأنها توفر، برأيه، من المراجع ما قد يصعب العثور عليه في غيرها من المكتبات، مبرزا أن هذه المؤلفات تشمل سائر مجالات المعرفة والتخصصات، من الأدب، شعرا ونثرا، إلى التاريخ والجغرافيا والعلوم الدقيقة والطب والانتبولوجيا وعلم الاجتماع والفلك والهندسة الميكانيكية مرورا بكتب الأطفال وغيرها.

في مدينة مثل بوينوس أيريس، تتنفس عشق الثقافة أدبا ومسرحا وموسيقى وشعرا، وفي مدينة تظل أبواب مكتباتها مفتوحة بالليل كما بالنهار ..لا تعدو أن تكون “إل أطينيو” في نهاية القصة سوى ذلك الوجه المشع لمدينة جبلت على الألق الثقافي والفني.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد