نقاش سياسي في الطاكسي .. يا سلام


بوجمعة الكرمون أستاذ الفلسفة بخنيفرة
الاربعاء 19 سبتمبر 2012 - 16:16



نقاش سياسي في الطاكسي .. يا سلام
بعد أن استوى الركاب في أماكنهم، و أدار سائق سيارة الأجرة الكبيرة محرك سيارته متمتما بكلام خافت، فهمت فيما بعد أنه دعاء الركوب الذي يردده بعض المسافرين أثناء رحلتهم طلبا في السلامة و النجاة، انطلقت الرحلة صوب مدينة تاونات.
في محطة "الطاكسيات" الكائنة بباب الفتوح بمدينة فاس، يختلط عليك الحابل بالنابل؛ يمتزج صوت " الكورطيات" بأصوات الباعة و المتسولين و "الشماكرية" و أصحاب سيارات الأجرة، وأحيانا بأصوات الجنائز و الموتى المنبعثة من المقبرة المجاورة لمحطة المسافرين. وبالطبع، فهذه الضوضاء التي تنكشف من خلال محطة "الطاكسيات" تخفي وراءها واقعا مرا لمدينة مريضة كانت في وقت من الأوقات منارة لطلاب العلم الباحثين عن اكتساب الفنون و المعرفة. أخذت مكاني في المقعد الأمامي بجانب السائق، وجلس عن يميني رجل في عقده السادس تقريبا، ظهر من خلال كلامه أنه جندي متقاعد، وفي المقعد الخلفي جلس شاب في عقده الثالث رفقة زوجته و ابنه الصغير، بالإظافة إلى شاب آخر كتوم لم ينطق بكلمة طيلة مسار الرحلة.
السفر من مدينة فاس إلى مدينة تاونات يستغرق ساعة و15 دقيقة من الزمن، وهي مدة زمنية كافية لقطع مسافة 80 كلم التي تفصل بين المدينتين. ورغم قصر المسافة، فإن حرارة الصيف الملتهبة تجعل من السفر فعلا عسيرا يُرهق المسافرين في سفرهم. لذلك تجدهم يتبادلون أطراف الحديث و القفشات وغير ذلك، لأجل تقريب المسافة وتجاوز حالات الضيق والتعب التي يحس بها المسافر في سفره.
لكن رحلة اليوم كانت خاصة جدا؛ رحلة ساخنة و حارة، أنستنا حرارة الصيف المشتعلة على طول حقول "الحياينة"، إنها حرارة السياسة "الحقيقية"، ليست كما تناقش في البرلمان وداخل الصالونات المكيفة في الرباط، وليست كما يراها المثقفون وأولئك الذين يعتقدون أنهم يملكون المبادئ الحقيقية لممارسة الفعل السياسي، وإنما السياسة كما يراها السائق و الفلاح و البناء...وسفلة القوم في مجال السياسة.
لم يكن المستوى السياسي لسائق سيارة الأجرة والجندي المتقاعد أقل من مستوى السياسيين "المحترفين" من أمثال عباس الفاسي و بن كيران و الراضي و العنصر و بن عتيق...وغيرهم ممن تحملوا مسؤولية تدبير الشأن العام، بل تبين أن السياسة بمفهوميها الأصيل و النبيل هي ما استقر عليه الفهم البسيط(لكنه عميق) لسائق الطاكسي و الجندي المتقاعد؛ إنها سياسة عفوية تحمل كل معاني الصدق و النبل...معاني و قيم افتقدناها كثيرا في الحقل السياسي المغربي،بعدما صار الوهم والزيف و التضليل و الكذب والتحايل وتعابير أخرى شبيهة، هي أصل الممارسة السياسية و التدبير العمومي .
على الرغم من تواضع المستوى العلمي لسائق الطاكسي و محاوره، فقد أبانا عن معرفة لابأس بها بخبايا السياسة و بكيفية تدبير مصالح العباد، معرفة يفتقد إليها السواد الأعظم من النواب و المستشارين الذين يجلسون تحت قبة البرلمان،و الذين أبانوا بدورهم عن كفاءات عالية في الجهل و الأمية،حتى أن الكثير من هؤلاء لا يتقن ما يتقنه التلاميذ في سلك الابتدائي،فتجدهم عند جلسات الأسئلة الشفوية، يقرؤون على أوراقهم ما أعد لهم سلفا،وهي لحظة كافية لقياس مستوى جهل صُناع قرار الأمة ؛ينصبون الفاعل و يرفعون المفعول به ...ويوظفون مصطلحات و مفاهيم بعيدة عن حقل التداول والاستعمال، إنها سياسة أكلوني البراغيث التي يتقنها جزء كبير من "النوام"، الذين لا هم لهم سوى مراكمة الثروات والمنافسة على المجد الزائف.
نقاش "البوجاديين" السياسي كان محليا بامتياز، حيث انطلق من الواقع المزري الذي تعيشه مدينة تاونات و ضواحيها؛ بنية تحتية مهترئة، دواوير تشكو العزلة و التهميش، مبادرات وطنية ومحلية بدون تنمية، هيمنة علاقات النفوذ و الزبونية، إدارة بدون خدمات، مرافق عمومية بالأداء... ومشاكل أخرى بالجملة يعاني منها ساكنة الإقليم في غياب تام لروح الوطنية و المواطنة للمسؤولين الذين ــ وللأسف ــ ينحدر جلهم من المدينة ذاتها. كل هذه المشاكل تداولها الحوار الذي جمع سائق الطاكسي بالجندي المتقاعد دون مشاركة باقي الركاب الذين اكتفوا بالإنصات، وقد كنت بين الفينة و الأخرى أطأطأ رأسي تعبيرا عن موافقتي لجزء مما يقوله السائق أو الجندي المتقاعد دون أن أدلي بدلوي في الموضوع وذلك لأنني وجدت في الإستماع متعة أفضل من المشاركة في النقاش الدائر.
إن فهم الفعل السياسي بالنسبة للإنسان العادي يختلف جدريا عن الكيفية التي يفهم بواسطتها الفاعل السياسي حقل اشتغاله، وذلك تبعا لاختلاف الأهداف و الغايات التي ينشدها كل واحد منهما، فالمواطن العادي لا يفقه في السياسة سوى كونها مجرد حقل لتدبير شؤون البلاد و العباد وتحسين الخدمات الاجتماعية و تنمية القدرات و الموارد...وغيرها من الوظائف التي تروم الدفع بعجلة التقدم و الازدهار، بينما يتحدد معطى السياسة حسب "السياسي المحنك" في فن التحايل على الواقع و جعل ما هو مستحيل ممكن، وخدمة المصالح الخاصة و البحث عن إطار قانوني يعطي المشروعية لممارساته و أفعاله، ويمنع من متابعته و محاسبته على الأعمال المشبوهة وغير القانونية وغيرها من الغايات التي يبتغيها السياسي من وراء تدبيره للشأن العام، وطبعا هي غايات لا تقترن فعليا بالحقل العمومي عدا المشروعية التي تستمدها من هذا الأخير.
لم يكن الحديث في السياسة داخل الطاكسي مملا ومتعفنا كما توحي بذلك الممارسة الواقعية لهذا الحقل وإنما كان نقاشا ممتعا كشف عن الوعي العميق للجماهير العريضة بكيفية تدبير الشأن العام وبالضوابط القانونية و الأخلاقية التي من المفروض أن تؤطر الممارسة السياسية. إنه وعي عفوي يؤكد أطروحة الحضور الفعلي للمواطن في مجال السياسة، وهو بالمقابل عزوف لأصحاب القرار و المسؤولين عن القيام بمهامهم التي تعاقدوا بموجبها مع المواطنين.
حلاوة النقاش وجديته جعلاني أمضي في سبات عميق لم يوقضني منه سوى صوت صاحب الطاكسي منبها بوصولنا إلى تاونات، وقد تمنيت لو استغرق السفرمدة أكبر،لأن الحديث كان ممتعا...يا سلام.