تفقت
السيدة دانا منذ بداية الشهر الجاري -جانفي يناير 2010- توزع مقالاً بالإنجليزية عنوانه
"Seek Islamic spirit, not state, say Muslim scholars"
وقد تم
نشره على الكثير من المواقع الناطقة بالإنجليزية. ثم مع الثامن من نفس الشهر، قامت بتوزيع الترجمة الفرنسية لنفس المقال وعنونته
"L’islam, un état d'esprit, pas un Etat".
بعد ذلك قامت مواقع انترنات لها نفس التوجه والأهداف بإنتاج
ترجمات إلى لغات العديد من الشعوب الإسلامية منها العربية والأردو والأندونيسية
الهدف معلن وواضح: محاربة فكرة الدولة الإسلامية والنظام السياسي الإسلامي : الخلافة.،كابوس الغرب الكبير. الصراع هنا ليس صراعاً جبهويا ولكنه صراع فيه من الخبث والمكر الكثير، غايته: على أقل تقدير، التشويش على فكرة الدولة الإسلامية عن طريق اللعب على المصطلحات أو بإفراغها من معانيها الصحيحة.
هذا المقال يخلو من أدنى قدر من المصداقية شكلاً ومضموناً وفيما يلي التوضيح
شكلاً، قد تعودنا، وهو أمر عادي تماماً، أن نقرأ أراءا لغير المسلمين، كالسيدة دانا، منتقدين الإسلام إنطلاقاً من من وجهات نظرهم، أي من خارج الإسلام؛ ولكن أن نقرأ لغير مسلم، كالسيدة دانا، منطلقة في الحديث من داخل الإسلام في حين أنها لا تعلم حتى أركان الإسلام أو أركان الإيمان، وتكفر برسالته، ولا تعتقد في نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم ولا تعتقد أن القرآن هو كلام الله، التي يعتقد فيها كل مسلم،... أتصور أن هذا يدل على عدم تماسك وسلامة الكاتبة مما ينزع عن المحتوى كاملاً أي شكل من أشكال المصداقية.
لعله يجب أن تعلم السيدة أن الإسلام لا يؤخذ إلا من -على الأقل- مسلم أو مسلمة؟ ثم، أن الوحيدين الذين يمكنهم الكلام عما هو إسلام، عما يمكن/ يجب على المسلمين فعله أو عدم فعله، هم علماء الإسلام بالإعتماد على نصوص الإسلام، مصدر تشريعاته الوحيد؟
السيدة دانا، وضعك لا يسمح لك بالكلام من خلال وجهة نظر تكفرين بها جملة وتفصيلا. وهذا يدل على إنعدام تماسك فكري فاضح.
شكلاً، كذلك، فإن هذا المقال وليد بداية هذه السنة، أي حول الخامس من جانفي يناير 2010, وهذا ليس بصدفة! السبت الثاني من جانفي يناير 2010, كان هناك خبر عاجل ينتشر بسرعة فائقة يقول أن رسام الكاريكاتير السخيف الدنماركي قد تمت مهاجمته في منزله يوم الجمعة الفاتح من جانفي يناير 2010 من طرف مسلم صومالي ثائر. وتطور الخبر فيما بعد لنعلم أن حراسة شخصية 24/7 قد تم تأمينها لهذا الرسام، الذي أصبح شخصية مهمة جداً، وهو، قبل وقت قصير من ردة فعل المسلمين الغاضبة في شتى أنحاء العالم حول رسوماته، كان مجهولاً حتى من سكان مدينته. قبل وقت قصير كذلك، كانت الصحيفة التي نشرت له رسوماته تعاني من أزمة لا سابق لها، قد حلت بصفة سحرية اثر نشر الرسوم وإنفجار مبيعاتها... عطلة نهاية أسبوع الثاني من جانفي يناير 2010 كانت طويلة بصفة خاصة، وهذا الخبر قد أوحى زخرفاً من القول لبعض المجاهيل. وفي يوم الخامس من جانفي يناير 2010 ، ولد مقال أخرق مستفز باللغة الإنجليزية بعنوان
"Seek Islamic spirit, not state, say Muslim scholars"
من الناحية الشكلية أيضاً، ترجمة المقال إلى عدة لغات زيادة على الفرنسية والإنجليزية، تظهر الهدف المخزي لهذا المقال ولمن سهر على ترجمته، وهو محاربة فكرة مجمع عليها بين جميع علماء الإسلام على مر العصور -ليس علماء البلاط والمتسولين على أبواب الغرب-، وهي فكرة تقض مضاجع الساسة الغربيين ألا وهي النظام السياسي الإسلامي، المعروف في الإسلام وعلى مر التاريخ تحت مسمى "الخلافة"، التي هدمها الإنجليز سنة 1924, والتي يتشرف حزب التحرير بتجسيد رؤية واضحة ودقيقة لها ويناضل فكرياً وسياسياً في أمته ومعها من أجل إعادتتها تماماً مثلما كانت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة الخلفاء، رضي الله عنهم.
وأخيراً من الناحية الشكلية، كونك غير مسلمة، لا تفهمين العربية، كل إسم عربي كان بالنسبة لك عالماً من علماء الإسلام، في حين أنك لم تذكري إلا شخصيات علمانية لا تعترف بالإسلام منذ عرفت. ولعلهم يجهلون الإسلام أكثر مما تجهلينه. ولعلهم لا يزيدون عليك من ناحية علاقتهم بالإسلام، إلا بنطقهم العربية وأسمائهم العربية. فاطمئني، هذه الشخصيات التي ذكرتي، رغم اسمائهم العربية، وكتاباتهم قبلك بالعربية في نفس موضوعك، ما هم في الحقيقة إلا علمانيين وليس لهم أي علاقة فكرية بالإسلام. يمكنك اتخاذهم أئمة لك، ولكن الأكيد أنه للمسلمين أئمتهم المنتهجين نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، يقودهم كتاب الله جل وعلا.
من ناحية المضمون، السيدة دانا، أنت تكفرين بالإسلام جملة وتفصيلاً. ولكنني وأمتي المسلمة نأخذ به جملة وتفصيلاً. فمن أجل أن نتمكن من التحاور فيما بيننا، الأرضية المشتركة الوحيدة بيننا وبينك، هو العقل. ولكننا بصدد موضوع يهم الإسلام والمسلمين ولا يمكن معالجته إلا من داخل الإسلام، أي معالجة تعتمد على المصادر التشريعية الإسلامية، ووحدها المصادر التشريعية الإسلامية (قرآن، سنة، إجماع صحابة وقياس). فبعد الإيمان عن طريق العقل، ينحصر دور العقل في فهم وتفسير الأدلة الشرعية تفسيراً صحيحاً. ولكنك، لست مؤمنة. فهذا الحوار الذي فتحتيه لا معنى له وقد ولد إذاً، ميتاً.
أما من ناحية السؤال في حد ذاته، هل يوجد دولة - أو نظام سياسي- في الإسلام؟ فكل القرآن يوضح عقائد ويشرع أحكاماً في كل نواحي الحياة (سياسية، إقتصادية، إجتماعية، عسكرية،...) حسب رأيك، من الذي سيضعها حيز التطبيق، إن لم يكن نظاماً سياسياً تنفيذياً أعلى، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟
كذلك، كل العالم -أقول كل العالم وليس المسلمين فقط- يجمع أن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، المصدر الثاني من مصادر التشيع، تتكون تاريخياً من مرحلتين كبيرتين: مرحلة مكية ومرحلة مدنية.أثناء المرحلة الأولى، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو من يعترضه إلى الإسلام ويطلب منه حمايته من أجل نشر رسالة الإسلام. وأثناء المرحلة الثانية، أسس الدولة الإسلامية في المدينة بعد حماية أهل المدينة له. وأصبح صلى الله عليه وسلم، أول رئيس للدولة الإسلامية.
وأخيراً، العالم بأجمعه -وليس المسلمين لوحدهم- مجمعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خلفه أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم علي كزعماء سياسيين لجميع المسلمين. هذه الدولة التي غزت أكبر امبراطوريتين في عهدها وهما إمبراطريتا فارس والروم في أقل من 15 سنة من تاريخ تأسيسها في المدينة، من الضلال المبين التضليل عنها بما تطلقين عليه "الروح الإسلامية".
الإسلام نظام حياة متكامل لا يتجزأ، وكأي نظام حياة، يتطلب جهازاً تنفيذياً الذي هو الدولة من أجل إيجاده في واقع الحياة ، وهو ما شرعة الله سبحانه وتعالى وهو ما أرانا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرانا إياه الخلفاء الراشدون من بعده. علماء الإسلام، وليس أئمة العلمانية، مجمعون أن الدولة هي حاجة ملحة. ورأيهم تلخيصه المقولة التالية:
(القران والسلطان توامان فالقران اس والسلطان له حارس فما لا اس له فمهدوم وما حارس له فضائع)
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (8)هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ(9)
الصف
"كاتب ومفكر إسلامي