المشهد من مراكش

ديفيد بولوك

كان “منتدى مراكش للأمن” الذي عُقد الشهر الفائت، وهو مؤتمر سنوي شبه رسمي يجمع خبراء وصنّاع سياسة ينظمه أبرز مركز للأبحاث والدراسات يُعنى بالسياسة الخارجية في المغرب، بمثابة لقاء دبلوماسي بين المغرب و”الاتحاد الأفريقي” حيث تكثّف النقاش حول مصالح القارة المشتركة في مواجهة التهديدات العنيفة التي يطرحها الجهاديون. وخلال الأسبوع الماضي، بدت إعادة تنظيم على مستوى منخفض شهدتها الحكومة الأمريكية موافقة على هذا التقارب الأوثق بين دول المغرب العربي (المغرب وشمال أفريقيا) ودول أخرى في أفريقيا. وقد تمّ نقل شؤون دول المغرب العربي داخل مجلس الأمن القومي في واشنطن من مكتب الشرق الأدنى إلى المكتب الأفريقي.

وبالعودة إلى مراكش، شمل النقاش أو التحديات الإقليمية، على نحو غير مفاجئ إلى حدّ كبير، عروضًا رسمية مسهبة حول ضرورة اعتماد أكثر من مجرد مقاربات عسكرية بسيطة إزاء المشاكل الأمنية في القارة: حوكمة أفضل وتنمية اقتصادية وحماية البيئة وتوفير فرص عمل للشباب والتوجيه الإيديولوجي وتعاون يتخطى حدود بلد واحد. لكن ناهيك عن هذه المسائل البديهية، برزت العديد من المواضيع الأكثر أهمية. وكانت ملحوظة من خلال الإشارة إليها صراحة، وفي بعض الحالات من خلال غيابها اللافت عن التداولات.

أولًا، كان هناك إجماع مهم حول الدور المركزي للتطرف الإسلامي في ظل مخاوف أفريقيا الأمنية العديدة والمتنوعة. وفي هذا الخصوص، لم يُعر المشاركون أهمية كبيرة إلى الفوارق التنظيمية بين فروع تنظيم “القاعدة” (مثلًا حركة “الشباب” الصومالية) مقابل فروع “الدولة الإسلامية” (مثلًا جماعة “بوكو حرام” النيجرية)، التي غالبًا ما تكون موضع جدال في أوساط الأكاديميين الأمريكيين. عوضًا عن ذلك، جرى تقييم كل جماعة بشكل أساسي في سياقها المحلي الخاص مع إشارة عابرة ليس إلا إلى أي توجيهات أو مساعدات مركزية مفترضة من بعيد.

لا بدّ من الإشارة إلى أن الممثلين الحاضرين من العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، من السنغال وصولًا إلى الصومال وما بعدها، لم يتحفظوا أبدًا عن تسمية التهديد صراحةً باسمه، عبر استخدام مصطلحات مثل “الإرهاب الجهادي” أو “الإسلام الراديكالي العنيف”. في المقابل، مال متحدثون من دول لا تتمتع بأغلبية مسلمة سواء في أفريقيا أو أوروبا أو غيرهما، إلى الإحجام عن استخدام عبارات مماثلة. بدلًا من ذلك، بدوا أنهم يبذلون جهدًا للإصرار على أن ظاهرة الجهاد لم تعكس إلهامًا دينيًا بل معاناة اجتماعية-اقتصادية أو سياسية.

ثانيًا، سلّط عدد من المشاركين الضوء بشكل خاص على تحديد مصادر الدعم الرئيسية، سواء الداخلية أو الخارجية، للإرهاب الجهادي. وغالبًا ما كانت هذه هي الحال حتى عندما كانت الحساسيات الدبلوماسية أو السياسية تثير توترات ربما. فعلى سبيل المثال، يشير تقرير المؤتمر الخطي إلى “الدور المبهم” الذي تضطلع به المؤسسات الخيرية القطرية و”الهلال الأحمر” الإيراني في ما يتعلق بالإسلام المتطرف العنيف في مالي.

وعلى نحو مماثل، كشف بعض المشاركين الأوروبيين عن أمور ملموسة، حيث أشار أحد المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى الدور الإرهابي العالمي الملحوظ الذي يلعبه “حزب الله” في العاصمة الغينية كوناكري. وشرح قائلًا إن العاصمة أصبحت معقلًا له لتوزيع حركة المستحضرات الصيدلانية والأجهزة الطبية المزيفة عبر الإنترنت عالميًا. فعملاق الاحتيال هذا يحقق أرباحًا غير مشروعة سنويًا بمئات ملايين الدولارات، تتشاركها شبكات الجرائم المنظمة والإرهاب. بدورها، ذكرت مسؤولة ألمانية أن المتطرفين المسلمين أو المناهضين للإسلام الناشئين من داخل البلاد، وليس المقاتلين الأجانب العائدين، هم المصدر الرئيسي للإرهاب في ألمانيا اليوم.

ثالثًا، كانت تجربة المغرب مع المقاربات الاحترازية التي تسلّط الضوء على التعاليم والممارسات الإسلامية المعتدلة موضوع نقاش حظي باهتمام خاص من قبل المشاركين الأفارقة الآخرين وكذلك العديد من المشاركين الأوروبيين وبتصفيق بعضهم. وكان ذلك حتمًا من باب الكياسة تجاه البلد المضيف، لكنه أثبت أيضًا الملاءمة المتصورة لبرنامج المغرب الرامي إلى تدريب وتأهيل أئمة دينيين والمشاريع المشتركة ذات الصلة مع شركاء من دول مجاورة وشركاء أوروبيين على السواء. غير أنه وبشكل مفاجئ، لم يتمّ أبدًا التطرق إلى مسألة الصحراء الغربية التي عقّدت مؤخرًا قضية التقارب المغربي-الأفريقي خلال اجتماعات المؤتمر – وكأن الغاية من ذلك تتمثّل ربما بتسليط الضوء على أنه تمّ تجاهل هذا الوضع المعقّد المثير للجدل، أو أقله تمّ فصله عن مواضيع أخرى يمكن التعاون أكثر بشأنها. وعلى نحو مماثل، لم يأتِ أحد حتى على ذكر واقع أن المغرب نفسه لم يملك حكومة جديدة تؤدي وظائفها رسميًا منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أي قبل نحو نصف عام.

رابعًا، كان التمثيل الجغرافي في هذا الحدث غير متساوٍ إلى حدّ كبير وبعدة طرق مفاجئة. فقد حظيت دول الساحل الأفريقي ودول أفريقيا جنوب الصحراء بتمثيل جيد للغاية؛ في حين لم تكن هذه حال الدول الشمال أفريقية المجاورة للمغرب (ألا وهي الجزائر وتونس وليبيا). ويعني هذا الأمر استمرار التوترات بشأن الصحراء الغربية وغيرها من المسائل التي تمّ التطرق إليها ولكن لم يُصر إلى حلها، من خلال إعادة إدخال المغرب مؤخرًا إلى “الاتحاد الأفريقي”. وللمفارقة، إن روابط المغرب لجهة الجنوب، أي في الساحل الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء، هي من نواحٍ عديدة أقرب من الروابط التي تجمعها بنظيراتها من الدول العربية لجهة الشرق. كما كانت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حاضرة وناشطة خلال المؤتمر بأعداد كبيرة، ما يعكس اهتمامها الكبير بالتعاون مع المغرب وقربه منها على صعيد مواضيع اللجوء والهجرة ومكافحة الإرهاب – وعلى نحو متزايد برامج التوجيه الإسلامي المعتدل أيضًا.

غير أن عدد المشاركين الأمريكيين كان ضئيلًا نسبيًا؛ حيث لم يتحدث أي مسؤول من الولايات المتحدة في المؤتمر؛ وكانت قيادة “أفريكوم” غائبة تمامًا، علمًا بأن هذا الأمر لم يكن خطأ غير مقصود في المرحلة الانتقالية لترامب، إذ حصل هذا الإهمال نفسه العام الفائت. ولا يمكن للمرء إلا أن يأمل أن يكون التفاعل الأمني الأمريكي، خلف الكواليس، مع المغرب وغيره من الدول الأفريقية المعنية أكثر متانةً وإنتاجيةً مما يبدو عليه في العلن.

خامساً، وفي تناقض صارخ، كان الحضور الروسي في المؤتمر مرة جديدة واضحًا وحازمًا، كما كان في 2016. وقد أدلى أحد أعضاء اللجنة الروسية بخطاب لاذع على وجه الخصوص ضدّ “تدخل” الغرب في أفريقيا تحت قناع المساعدة على مكافحة الإرهاب، وهو ما يزعم أنه زاد الطين بلة ليس إلا. وحين اعترض الكاتب علنًا على هذا الافتراء الكبير، تراجع عن كلامه بعض الشيء، قائلًا إنه سيرحّب بأي تعاون مناسب ضد التهديدات الجهادية، حتى مع الولايات المتحدة. ولكن فور عودتي إلى واشنطن من مراكش، غزت المكالمات الآلية الروسية هاتفي المحمول ليوم كامل – في خطوة أخرى ربما تدل على استخدام موسكو المتزايد لمثل هذه التكتيكات الإلكترونية الهجومية في مساعيها الجديدة بأسلوب الحرب الباردة لنشر نفوذها في الخارج.

إن اجتماع مراكش الأخير يسلّط الضوء على نقطة أساسية ولكن غالبًا ما يتمّ تجاهلها بشأن التطرف الإسلامي: وهي مسألة أمنية داخلية تخص الشرق الأوسط أو أوروبا أو الولايات المتحدة بقدر ما تخص أفريقيا. وبالنسبة إلى الدول الأفريقية المعنيّة، سواء كانت من العرب أو المسلمين أو غيرها، لن توفّر هزيمة “داعش” العسكرية في الموصل العراقية أو الرقة السورية البعيدتين ارتياحًا كبيرًا، طالما استمرت في مواجهة تحديات همجية ووحشية في أماكن أقرب إلى عقر دارها.

وقد وفّر هذا الاجتماع الأحدث بعض الأدلة على أن الحكومات الأفريقية المختلفة والمنظمات غير الحكومية والمستشارين المختصين لا يدركون المشكلة بالكامل فحسب، بل هم منفتحون في الوقت نفسه بشكل أكبر على التعاون من أجل حلها. غير أنه في الوقت نفسه، يبقى هذا التعاون بين الدول الشمال أفريقية، الذي يتصدر أولويات تلك المتضررة، غير كافٍ بشكل مؤسف. وإذا دلّ هذا المؤتمر على شيء فهو يدلّ على أن نطاق الدعم الأمريكي لهذه القضية المشتركة، وبخاصة في مظاهره العلنية، يمكن أن يستفيد أيضًا من جهود وانتباه أكبر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.