تونس والمسار الحزبي نحو العدالة الانتقالية

أعلنت هيئة الحقيقة والكرامة التونسية، في أواخر شباط/فبراير 2017، عن جولاتها المقبلة من جلسات الاستماع العلنية المزمع إجراؤها في آذار/مارس الجاري. لقد أُثني على عمل الهيئة التي اعتُبِرت فصلاً إضافياً من فصول “حكاية النجاح التونسية” يساهم في تعزيز آفاق بناء الأمة في الديمقراطية الفتيّة. بغض النظر عن هذه المزاعم، فإن المناخ السياسي المتقلّب في الداخل يجعل السير بعملية العدالة الانتقالية، بما في ذلك العمل الذي تقوم به هيئة الحقيقة والكرامة نفسها، مجهوداً شاقاً دونه صعوبات جمّة.

بات لهيئة الحقيقة والكرامة، منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2016، حضورٌ أكثر وضوحاً على الساحة التونسية، مع بثّ جلسات الاستماع العلنية عبر القنوات التلفزيونية، وكذلك مباشرةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. بيد أن الاهتمام العام سلّط الضوء أيضاً على النقاش الحزبي المحتدم حول العدالة الانتقالية التي تشكّل مصدراً أساسياً للصراع بين مختلف الأفرقاء السياسيين الموجودين في سدّة الحكم منذ الثورة. اليوم، تتجلّى التشنّجات السياسية الأوسع نطاقاً، في المشاحنات الداخلية ضمن هيئة الحقيقة والكرامة حول تأطير العدالة الانتقالية وتطبيقها بطريقة فعّالة. وتقترن هذه التشنّجات مع المصالح الحزبية والديناميات السياسية المتحوِّلة، ما يضع الاستمرار الناجح لعملية العدالة الانتقالية على المحك.

هيئة الحقيقة والكرامة، التي يغطّي تفويضها الانتهاكات المرتكَبة في الفترة الممتدّة بين عودة حبيب بورقيبة من المنفى في العام 1955 وكانون الأول/ديسمبر 2013، هي من ثِمار قانون العدالة الانتقاليةالذي أُقِرّ في كانون الأول/ديسمبر 20133 وأثار سجالاً واسعاً. تسعى الهيئة إلى تحقيق الأهداف الواردة في المادة الأولى من قانون العدالة الانتقالية، وقد كُلِّفت النظر في أكثر من 62000 قضية، غالبيتها قضايا متعلقة بتجاوزات سياسية وانتهاكات لحقوق الإنسان، مثل التوقيفات غير القانونية، والاختفاء، والتعذيب. عُقِدَت 23122 جلسة استماع علنية ومغلقة حتى تاريخه. من القضايا البارزة تلك المتعلقة بالرئيس المؤقت السابق منصف المرزوقي؛ ونقيبة الصحافيين التونسيين نجيبة الحمروني؛ وزعيمَي المعارضة اللذين قضيا اغتيالاً، شكري بلعيد ومحمد براهمي.

من المكوّنات الأساسية الأخرى في تفويض هيئة الحقيقة والكرامة النظر في الجرائم الاقتصادية، لا سيما تلك التي يتورّط فيها مسؤولون كبار من حقبة بن علي. وهكذا، في إطار الاختصاص المنوط بالهيئة، وافق صهر بن علي، سليم شيبوب، الذي وُضِع في الإقامة الجبرية على خلفية توجيه 12 تهمة إليه في قضايا فساد شديد – وافق إذاً على إعادة الأصول المسروقة التي أودعها في مصارف أجنبية بعد جلسات استماع مغلقة أجرتها لجنة التحكيم والمصالحة التابعة لهيئة الحقيقة والكرامة – أملاً منه بأن تتيح له متابعة التهم المنسوبة إليه مع الهيئة حسم ملفات الشكاوى بحقه ودخول مضمار السياسة من جديد. كذلك تقدّم أفراد من عائلة السيدة الأولى المخلوعة ليلى طرابلسي، بطلبات للتحكيم المالي، ويخضع ابن شقيقها، عماد طرابلسي، حالياً لعملية تحكيم بناءً على طلبه. المثول أمام لجنة التحكيم والمصالحة لا يلغي إمكانية محاكمة مرتكبي الجرائم المالية أمام محاكم أخرى، لكن يبدو أن اللجنة تطبّق عقوبات أكثر تساهلاً بالمقارنة مع الآلية القضائية التقليدية – من هنا الشعبية التي تتمتع بها في أوساط مرتكبي الجرائم الاقتصادية الذين يرغبون في دخول المضمار السياسي من جديد بعد تلميع صورتهم العامة.

صحيح أن آلية التحكيم المالي التي تطبّقها هيئة الحقيقة والكرامة تعاني من الشوائب، لكنها تبقى بديلاً أفضل، على صعيد المساءلة، من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي اقترحه الرئيس باجي قائد السبسي، والذي ينصّ على منح عفو كامل للمتورّطين في الفساد على مستوى الدولة وفي نهب مواردها. يسعى مشروع قانون المصالحة، الذي أثار سجالاً شديداً في البرلمان وكان موضع انتقادات واسعة من مجموعات المجتمع الأهلي، إلى تطبيق آليات بديلة للعدالة الانتقالية تنصّ على منح العفو التام، بدلاً من العمل الذي تقوم به هيئة الحقيقة والكرامة والتي تسعى من خلاله إلى تحفيز الحوار الوطني حول الانتهاكات السابقة. في عالم السياسة الحزبية، يُنظَر إلى مشروع القانون المقترح بأنه مناورة لإضعاف تفويض الهيئة، فيما يُصوّره مؤيّدوه – لا سيما كتلة السبسي – بأنه إجراءٌ ضروري لإنعاش الاقتصاد التونسي.

منذ إقرار القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها في العام 2013، والذي أثار جدلاً كبيراً، تعاني هيئة الحقيقة والكرامة من وطأة الصراعات الداخلية والحزبية التي تعرقل عملها. إبان انتخابات 2014 التي أسفرت في البداية عن فوز نداء تونس – حزب علماني أنشأه الرئيس السبسي ويتولى رئاسته – وحركة النهضة بغالبية المقاعد البرلمانية، حاولت هيئة الحقيقة والكرامة الحفاظ على ميزان قوى هش بين الأحزاب التي تتنافس على السيطرة العقائدية داخل مجلس النواب. وهكذا، يشكّل تقاسم السلطة بين نداء تونس والنهضة عملية شاقّة تعترضها عوائق شديدة على مستويات عدّة، لا سيما في مسألة العدالة الانتقالية. يتخوّف نداء تونس الذي يتسلم زمام السلطة والمقرّب من الحرس القديم، من التأثير الذي تمارسه آليات العدالة الانتقالية في صفوفه. وقد وجّه السبسي، خلال حملته الرئاسية في العام 2014، انتقادات شديدة للعدالة الانتقالية، معلناً أنه لا يجدر بتونس “الحديث عن الماضي” كي تتمكّن من المضي قدماً في عمليتها الانتقالية. لذلك لدى نداء تونس مصلحة محقّقة في اقتراح إجراءات بديلة عن هيئة الحقيقة والكرامة وسواها من الآليات الانتقالية من أجل الحفاظ على مكانته العامة الآخذة في التراجع.

خضعت تركيبة هيئة الحقيقة والكرامة للتدقيق من نداء تونس وأحزاب أصغر توجّه انتقادات للترويكا، أي التحالف الثلاثي الذي تسيطر عليه النهضة، والذي انتخب الأعضاء التنفيذيين الـ15 الذين تألفت منهم الهيئة في الأصل في العام 2013. أما الآن فيبلغ عدد الأعضاء التنفيذيين في الهيئة التي ترأسها سهام بن سدرين منذ إنشائها، تسعة فقط، أي أقل من نصاب الثلثَين المطلوب توافره لتطبيق القرارات. تعوّل هيئة الحقيقة والكرامة على أسلوب الصياغة التجريدي لميثاقها كي تتملّص من الاتهامات الموجّهة إليها بفقدانها الصفة القانونية بسبب عدم تأمين النصاب. فضلاً عن ذلك، وجّه الأعضاء المطرودون من الهيئة، بدعمٍ من القوى السياسية التي ينتمون إليها، اتّهامات إلى بن سدرين بالفساد والاستبداد. وفي كانون الثاني/يناير الماضي، كاد البرلمان يصوّت على تشكيل لجنة للتقصّي عن مزاعم فساد بحقها، غير أن الاقتراح سقط بفارق صوت واحد. وقد عمد أعضاء حزب نداء تونس، الذين صوّتوا بالإجماع لمصلحة التحقيق في التهم الموجّهة إلى بن سدرين، إلى الطعن بالقرار بهدف تجريد الهيئة أكثر فأكثر من مصداقيتها. في السياق السياسي الأوسع، يُعتقَد أن بن سدرين تخدم مصالح النهضة على حساب الأفرقاء السياسيين الآخرين، مثلاً عبر إعطائها الأولوية، كما يُزعَم، للقضايا التي تتقصى عن الانتهاكات بحق الإسلاميين المتشدّدين. بيد أن هذا المنطق يتجاهل واقع أن الغالبية الكبرى من القضايا التي تندرج في إطار التفويض الممنوح لهيئة الحقيقة والكرامة تتعلق بالمعاملة غير الإنسانية التي تعرّض لها أشخاص يُشتبَه بأنهم إسلاميون متشدّدون خلال حكم بن علي السلطوي. كما أن دعم النهضة للهيئة ليس دعماً مطلقاً لا لبس فيه، فالحزب يميل إلى حماية التوازن الثنائي مع نداء تونس أكثر منه إلى السعي وراء تحقيق العدالة الانتقالية.

قبل عام واحد من انتهاء تفويض هيئة الحقيقة والكرامة، أُغلِقت 21 ألف قضية فقط، أي نحو ثلث الملفات التي تنظر فيها الهيئة. وقد عانت جلسات الاستماع العلنية بصورة مستمرة من التعطيل بسبب الاعتصامات المندّدة بالإجراءات التي تستغرق وقتاً طويلاً، وبغياب الشفافية وعدم التوصل إلى نتائج ملموسة. علاوةً على ذلك، بدأ بعض الضحايا بسحب قضاياهم على خلفية المناورات السياسية والتلاعب بأهداف الهيئة، كما يقولون، ومن هؤلاء الحبيب قيزة، أمين عام الجامعة العامة التونسية للشغل. على الرغم من أن المناهضين لهيئة الحقيقة والكرامة لم يقترحوا أي بدائل شاملة، إلا أن أحد المخارج المحتملة يتمثّل في إعادة هيكلة تفويض الهيئة عبر إدراج توصيات اقترحها حزب نداء تونس الذي جرى تهميشه من آلية العدالة الانتقالية في صيغتها الحالية.

واقع الحال هو أن اشتداد التشنّجات مؤخراً على خلفية مسألة هيئة الحقيقة والكرامة، لا سيما في إطار السياق الراهن للضجة الإعلامية حول جلسات الاستماع العلنية التي تنظر في ملفات شخصيات بارزة، لا يؤدّي سوى إلى تقويض الفرصة السانحة أمام تونس لتحسين سمعتها على الساحة الدولية. فمن خلال إبداء معارضة شديدة للعملية الانتقالية برمتها واقتراح إجراءات بديلة من شأنها أن تلقي بظلالها على قانون العدالة الانتقالية، يميل الحزب الحاكم نحو تطبيع سياسة ما قبل الثورة. إذا لم تتوصّل الأطراف السياسية المختلفة إلى اتفاق موحَّد يعبّر عن ثقتها بهيئة الحقيقة والكرامة، وامتداداً بالعدالة الانتقالية ككل، قد تُمنى العملية بالفشل، وتُسدَّد ضربة قوية للمكاسب الديمقراطية في تونس.

فيما تبذل هيئة الحقيقة والكرامة قصارى جهدها للمساهمة بطريقة فعالة في عملية العدالة الانتقالية في تونس، يوثّق تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في شباط/فبراير 20177 الاتّهامات عن أعمال التعذيب والتجاوزات التي شهدتها البلاد بوتيرة متزايدة في إطار إجراءات مكافحة الإرهاب التي تطبّقها إدارة السبسي. فحال الطوارئ المعمول به في تونس منذ العام 2015، والذي جرى تجديده لثلاثة أشهر إضافية في 16 شباط/فبراير الماضي، يُتيح للدولة تطبيق تدابير استثنائية من خارج إطار الإجراءات القانونية. لن تؤدّي الخروقات للحريات المدنية التي تُمارَس في ظل حال الطوارئ سوى إلى تجديد نمط التجاوزات الذي عانت منه البلاد لفترة طويلة وتصطدم به هيئة الحقيقة والكرامة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

فاطمة الزهراء المالقي باحثة مستقلة مقيمة في واشنطن. لمتابعتها عبر تويتر: fzelmalki@

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.