"إيبيزا غايت".. أو شريط الفيديو الذي غير موازين القوى السياسية بالنمسا في 2019

"إيبيزا غايت".. أو شريط الفيديو الذي غير موازين القوى السياسية بالنمسا في 2019

أضيف بتاريخ ١٢/٢١/٢٠١٩
و م ع - فاطمة الزهراء الراجي


فيينا - لم تكن سنة 2019 عادية لتمر بشكل عادي كسابقاتها بالنمسا، بعد ما بات يعرف بـ"إيبيزا غايت" أو شريط الفيديو الذي غير موازين القوى السياسية في البلاد.

مقطع الفيديو الذي نشرته جريدة "شبيغل" الألمانية في منتصف عام 2019، أظهر رئيس حزب الحرية السابق هاينز كريستيان شتراخه رفقة عضو الحزب يوهانس جودنوس، بجزيرة "إيبيزا" الإسبانية في يوليوز 2017، وهو يعرض على سيدة أعمال روسية تفويت عقود حكومية بطريقة غير قانونية، مقابل تمويله في الانتخابات البرلمانية في السنة ذاتها.

ومباشرة بعد انتشار الفيديو، أعلن شتراخه في 18 ماي 2019 استقالته من منصبه الحكومي ومن رئاسة الحزب اليميني، إلى جانب جودنوس الذي استقال حينها من كافة مهامه السياسية، قبل أن يعلن قائد الائتلاف السابق سيباستيان كورتس في مؤتمر صحفي بفيينا، نهاية تحالف الحكومة اليمينية بعد 18 عشر شهرا، تلتها دعوة الرئيس ألكسندر فان دير بيلين إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في أجل أقصاه شتنبر الموالي.

وغداة قبول الرئيس فان دير بيلين لاستقالة حكومة كورتس، كلف في 30 ماي 2019 القاضية بالمحكمة الدستورية العليا بريجيت بيرلاين بتشكيل حكومة خبراء لتصريف الأعمال حتى تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات التي حددت في 29 شتنبر الماضي.

لكن تأثير هذه "الفضيحة السياسية" غير المسبوقة في تاريخ الجمهورية الثانية، لم يقف عند إقالة الحكومة وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، بل أحدث تغييرا جذريا في معالم الخارطة السياسية بالنمسا، وأسهم في صعود تيارات سياسية إلى الواجهة وأفول تيارات أخرى، ليعلن عن بداية مرحلة جديدة في اللعبة السياسية بالبلاد.

في هذا السياق، أبرز تحليل لمجموعة التفكير النمساوية (أجندة أستريا) حول الأحداث السياسية خلال 2019، أن قضية "إيبيزا" لم تكن سوى النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة للحكومة اليمينية السابقة، وكشفت "خلافات" عديدة بين الحزبين وأبرز سياسييهما، على الرغم من مرجعيتهما اليمينية، لعل أبرزها خلاف وزير الداخلية السابق عن حزب الحرية هيربرت كيكل، والمستشار السابق سيباستيان كورتس.

وأشار التحليل إلى أن الائتلاف المنهار، ولإخفاء هذا الخلاف، اتجه إلى فرض سياسات "مثيرة للجدل" في العديد من المجالات المؤثرة على العمل الحكومي، وخاصة تعقيد القوانين الخاصة بالهجرة واللجوء والجنسية والمساعدات الاجتماعية، وكذا شبه "تغييب" للنمسا من أغلب المبادرات الدولية في مجال حماية المناخ.

وأضاف تحليل المجموعة أن نتائج الانتخابات البرلمانية لـ29 شتنبر أعلنت بداية "هجرة" الناخب النمساوي من الأحزاب اليمينية إلى الأحزاب الليبرالية، وهو معطى لا يقاس فقط بالنتائج بقدر ما يحيل على تغيير في مواقف واهتمامات الناخبين إزاء البرامج السياسية للأحزاب، خاصة ما يتعلق بأربعة قضايا محورية ترتبط بالشؤون الاجتماعية والهجرة واللجوء وحماية المناخ وشفافية الأحزاب.

واعتبرت المجموعة المتخصصة في تحليل المؤشرات السياسية، أن هذه القضايا تشكل "حجز الزاوية" في المفاوضات الحكومية الرسمية الجارية منذ أزيد من شهر ونصف بين حزبي الشعب والخضر، وهي قضايا تكشف إلى حد كبير التباعد الكبير في موقف الحزبين خاصة حول ملفي الهجرة واللجوء وحماية المناخ.

ويسابق كورتس الزمن منذ أن كلفه الرئيس النمساوي في العاشر من أكتوبر 2019 بتشكيل الائتلاف الحكومي الجديد، لإقناع حزب الخضر بالمشاركة في التحالف، وتبديد "الفوارق" الكبيرة بينهما في المبادئ والبرامج السياسية، والانطلاق تجاربهما الناجحة في الحكم في بعض الولايات الفدرالية.

وبعد انسحاب أحزاب الاشتراكي والحرية والنيوز من المشاورات الحكومية، لا يملك المستشار السابق خيارا آخر غير التفاوض مع حزب "دعاة حماية البيئة"، الذي أسس بحسب مراقبين، لنهج جديد في المفاوضات الحكومية بالنمسا، من خلال اشتراطه تعيين مجموعات متخصصة من الحزبين لبحث القضايا الرئيسية في المفاوضات قبل البث في قرار التفاوض بناء على نتائج هذه المشاورات.

وإلى جانب اختلاف المرجعية، تشير كواليس المفاوضات إلى أن الحزبين لم يتمكنا من الاتفاق بشكل نهائي حول الحقائب الوزارية، لا سيما وزارات الاندماج والتعليم والبيئة والشؤون الاجتماعية، إلى جانب الخارجية، مع ترجيح تولي مستقلين لبعض المهام الحكومية.

وفي ظل هذا الوضع لا بدائل أمام كورتس، الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البلاد، سوى التفاوض مع الخضر، في مرحلة تعرف "تشتت" الكيان الداخلي لحزب الحرية وأزمة الحزب الاشتراكي، واحد من أعرق الأحزاب السياسية النمساوية، وأبرز الخاسرين في الانتخابات الأخيرة.

ويهدد فشل مفاوضات الخضر والشعب بإعادة الانتخابات التشريعية أو تشكيل حكومة أقلية ستواجه صعوبات كبيرة في تمرير القوانين بالمجلس الوطني، وستؤثر على السير العادي للعملية السياسية الديمقراطية، خاصة في ما يتعلق ضعف فرص تشكيل الحكومة قبل نهاية العام الحالي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير التوقعات إلى أن نمو الاقتصاد النمساوي لن يتجاوز عتبة 1,4 في المائة بين 2020 و2024، في سياق يتسم بتباطؤ الاقتصاد العالمي، أعلى بقليل من النمو المتوقع بمنطقة اليورو، في وقت أكد خفض فيه البنك المركزي توقعاته للنمو عند 1,1 في المائة في 2020.

ورغم أن الاقتصاد النمساوي لم يتأثر إلى حد كبير بغياب حكومة منتخبة، على اعتبار أنه له توجه الدولة وليس الحكومة، وباعتباره اقتصاد سوق اجتماعي، إلا أن استمرار المشاورات الحكومية حتى بداية العام المقبل قد لا يعرقل مسار النمو في ظل التباطؤ الاقتصادي، وعدم ملاءمة قانون المالية لسنة 2019 للآفاق والرهانات الاقتصادية للسنة المقبلة.

كما أن الحكومة الانتقالية واجهت منذ تعيينها العديد من الانتقادات بخصوص سياستها في المجال المناخي، والتي ليست سوى إرثا قديما للحكومة السابقة، التي اهتمت بالجانب الاقتصادي غير آبهة بالعواقب المناخية.

وإذا كانت دوافع وتوقيت تسريب فيديو "إيبيزا" بعد سنتين من تصويره، وقبيل أيام من انتخابات البرلمان الأوروبي لسنة 2019 ما تزال مجهولة حتى الساعة، فإن تأثيراته أضحت جلية على المشهد السياسي بالنمسا، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الحكومية، وسط ترقب بدء مرحلة جديدة في تدبير الشأن السياسي بالبلاد.