"اليمين المتطرف" على ضفتي الأطلسي

أضيف بتاريخ 04/16/2021
و م ع - مصطفى بوبكراوي

الرباط - على مدى العقود الثلاثة الأخيرة كانت الصحافة الغربية تتناول موضوع التطرف في الغالب، في علاقة بأحداث يقف وراءها أو يتهم بالوقوف وراءها "أجانب" أو معتنقو مذاهب "أجنبية" أو جاء بها مواطنون من أصول تختلف ثقافة وحضارة عن ما يفترض أنه "حضارة غربية".



وعموما ارتبطت كلمة التطرف في الإعلام الغربي منذ هجمات نيويورك بالخصوص بنعت "الإسلامي". ورغم أن هذا الإعلام نفسه قد يصف حركات محلية يمينية على الخصوص (بعد سقوط جدار برلين) ب"المتطرفة" من حين لآخر، فقد استقر في أذهان الإعلام وجمهوره بأن ما يوصف ب"التطرف" بضاعة أجنبية تصل إلى البلاد بطرق غير مشروعة أو باستغلال طرق مشروعة (الهجرة والتجنيس).

وفي أوروبا، سيبدأ الإعلام في السنوات الأخيرة في تناول ما يوصف ب "اليمين المتطرف" بمناسبة اختراق انتخابي لحزب يصنف في هذا الإطار أو بوصول شخصية محسوبة على هذا التيار إلى مراكز قيادية في هذه الدولة الأوروبية أو تلك.

أما في الولايات المتحدة، فإن وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة سنة 2016 دشن لتغيير في النقاش السياسي الداخلي، حيث بدأ موضوع الخطر الحقيقي أو المفترض، الذي تمثله الحركات اليمينية على الحياة السياسية، يثير الاهتمام وسط النخب ووسائل الإعلام وخصوصا بعد أن نسب لهذه الحركات دور في الحشد لصالح ترامب وقراراته وخطواته.

ومع أن دونالد ترامب لم يصرح على مدى السنوات الأربع التي قضاها في البيت الأبيض بدعمه لهذه الحركات، إلا أنه تبنى خطابا يساير، بالتصريح أحيانا وبالتلميح أحيانا أخرى، مواقف هذه الحركات الرافضة للهجرة وللنخبة السائدة وللقواعد السياسية التي تحكم عملية اتخاذ القرار والخلاف السياسي أو ما يعرف ب" المتوافق عليه"، وهو الرفض الذي سيتوج برفض نتائج الانتخابات الرئاسية ثم بالحدث الذي هز الولايات المتحدة: اقتحام محتجين لمبنى الكابيتول في واشنطن يوم سادس يناير الماضي.

- "اليمين المتطرف" في الولايات المتحدة.. خوف على "نقاء" مفترض ورفض لنخبة "متواطئة"

أثار مشهد أنصار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أو من اعتبروا في عدادهم، وهم يقتحمون مبنى الكابيتول يوم سادس يناير الماضي، دهشة المحللين والمعلقين في وسائل الإعلام عبر العالم.

ومع الفارق الكبير جدا في مستوى العنف وحجم المشروع فإن هذا المشهد يحيل على سيناريوهات العديد من أفلام هوليود التي تناولت بطولات "الأمريكي الأول" أي الأوروبي الذي رسا على ضفاف عالمه الجديد لينصب "حضارته" باستخدام عنف دموي شديد ضد سكان أمريكا الأصليين.

لقد كان المقتحمون للكابتول يسعون لإرساء لبنات أمريكا أخرى غير تلك التي يعتبرون أنها تقف اليوم شبه عاجزة أمام "فساد" مفترض لنخبة طالت هيمنتها وأمام الصين والمثليين ودعاة الإجهاض والمهاجرين والأقليات، مستوحين جزء صغيرا جدا من عنف مؤسس مكن آباءهم وأجدادهم من إقامة أمريكا التي تبدو لهم اليوم أقل "نقاء" وأقل وفاء لشعارات المغامرين الأوائل.

إن ما يحرك أغلب حركات اليمين الأمريكي "المتطرف" هو الخوف على "ولاياتهم المتحدة" التي بدأت تتغير شيئا فشيئا منذ خمسينيات القرن الماضي بفعل صعود خطاب مؤيد للأقليات وللمساواة بين الأمريكيين من كل الأصول ووصول موجات من المهاجرين من غير ذوي البشرة البيضاء.

إن قراءة في خطاب العديد من حركات اليمين الذي يوصف ب"المتطرف" في الولايات المتحدة تبرز حجم الخوف على "وطن" أسسه الرجل الأوروبي الأبيض المسيحي (الحركات اليمينية تؤسس جزء من خطابها غالبا على مبادئ كنائس مسيحية) الذي يغار على حريته في مواجهة المؤسسات الفدرالية التي اضطر للقبول بها لحماية حدود مجاله الجغرافي فقط.

هذا البحث عن "النقاء" العرقي المفترض واستعادة تفوق الرجل الأبيض هو حجر الزاوية في خطاب جماعة مثل "الكو كلوكس كلان" التي تعد من أشهر المنظمات العنصرية في أمريكا خصوصا وأنها تأسست بالضبط بعد الحرب الأهلية على يد مجموعة من المقاتلين في صفوف جيش الجنوب الانفصالي.

وتعادي المنظمة كل من يتحدى هيمنة البيض باعتبارهم رمز أمريكا "النقية" ولا تقبل بأن يتمتع غيرهم بنفس الحقوق. أما النازيون الجدد في الولايات المتحدة فينشطون تحت عناوين متعددة ك"الحزب النازي الأمريكي" و"الحركة الوطنية الاشتراكية" مرورا ب"مجلس المواطنين المحافظين" وصولا إلى الحركة الأشهر "التحالف الوطني" (أو الرابطة الوطنية).

وخلال الحملة الانتخابية لدونالد ترامب ستسلط وسائل الإعلام الأمريكية الضوء على حركات يمينة جديدة تصنف "متطرفة"، تتميز بنشاطها على الانترنيت وحتى على "الانترنيت المظلم" (دارك انترنيت) وأيضا بطابعها الهلامي وغياب خطاب إديولوجي متماسك وإن كان خطابها التعبوي يصل إلى حد الدعوة لحمل السلاح في وجه الحكومة الفدرالية أو الدعوة للحرب الأهلية.

ويعتقد أن أكبر هذه الحركات هي "اليمين البديل" (آلت رايت)، وهي مجموعة تشكلت قبل أكثر من عشر سنوات. وتقول هذه الحركة إنها تدافع عن حرية التعبير، بما في ذلك الحق في إهانة الآخرين أو التجاوز اللفظي.

ويعتقد المتابعون للحركة أنها ترغب في فتح الباب بشكل "لطيف" أمام الخطاب العنصري ليصبح جزء من النقاش العمومي. وتقول وسائل الإعلام الأمريكية إن هذه الحركة من أكبر المساندين لدونالد ترامب.

- أسماء غريبة لحركات يمينية جديدة

غير أنه في الفترة الأخيرة، طفت على السطح أسماء غريبة لحركات يمينية جديدة من أنصار "تفوق الرجل الأبيض" والمناهضين للسلطات الفدرالية التي تتهم بانتهاك الدستور. من أبرز هذه الحركات "بوغالو" (boogaloo) والتي نشأت عبر شبكة الأنترنيت واستوحت اسمها من أحد الأفلام المغمورة. ويسود الاعتقاد في الولايات المتحدة أن الحركة وإن كانت تطرح مسألة الحرب الأهلية بسخرية أو بشكل إفتراضي فإنها تسعى في نهاية المطاف إلى إقناع شرائح من الأمريكيين بضرورة حرب أهلية ثانية من أجل "تحرير" أمريكا.

وبالإضافة إلى "بوغالو" ظهرت حركات أخرى يعتقد أن عدد أنصارها ضئيل نسبيا، لكنها نشيطة بشكل كبير جدا، وتدعو للعمل المسلح. ومن هذه الحركات "3 بالمائة" (Three Percenters) ويعتقد أن أعضاءها يشكلون جماعات شبه مسلحة تتحدى السلطات الفدرالية وتزعم الدفاع عن الحريات الأساسية.

أما "الأولاد الفخورون" (Proud Boys) فهي حركة يمينية أعلنت بشكل واضح دعمها الثابت لدونالد ترامب. وحسب "نيويورك تايمز" فإن الحركة أعلنت في ثامن نونبر الماضي، عبر أحد تطبيقات التواصل الجماعي، عن دعمها "للأمبراطور ترامب". وحسب الصحيفة نفسها فإن المجموعة نشرت في 20 يناير الماضي، وعلى التطبيق ذاته، رسالة تتبرأ فيها من ترامب وتتهمه ب" الفشل التام" وذلك بعد أن قبل بمغادرة البيت الأبيض. وتعرف المجموعة نفسها بكونها حركة "تدافع عن القيم الغربية" لكنها تتهم بنشر الكراهية والعنصرية.

حركة "كيو أنون"(QAnon) حددت هدفها بوضوح: إنه إسقاط "الدولة العميقة" التي تحكم البلاد "سرا". إنها الحركة اليمينية الأكثر تحمسا لنظريات المؤامرة ومنها "مؤامرة" إسقاط دونالد ترامب عبر التزوير المزعوم لنتائج الاقتراع الرئاسي. ولم يكن مفاجئا أن يتصدر اسم الحركة كل التقارير التي تناولت اقتحام الكابتول.

ومع أن الأمر يتعلق بحركات نشأت وتنشط على شبكة الأنترنيت فإن عنف خطابها تسرب من العالم الافتراضي ليتجسد على أرض الواقع في عدد من المناسبات قبل اقتحام الكابيتول.

وفي هذا الإطار يعتقد أن جماعات "اليمين البديل" شاركت إلى جانب نازيين جدد في مسيرة "شارلوتسفيل" بولاية فرجينيا الأمريكية، في غشت 2017، احتجاج ا على إزالة تمثال لأحد جنرالات "الحرب الأهلية الأمريكية" كان مؤيد ا لاستمرار العبودية في أمريكا.

وقد تميزت هذه المسيرة بأحداث دامية نجمت عن اشتباكات مع معارضين للمسيرة حيث اسفرت المواجهات عن مقتل سيدة وإصابة العشرات عندما صدمت سيارة حشدا من المعارضين للمسيرة.

- أوروبا... التطرف يمينا لوقف الهجرة و"إنقاذ" قوميات من "الذوبان"

نشر موقع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية نتائج مجمعة للأحزاب التي تصنف "يمنية متطرفة" في أوروبا في مختلف الاقتراعات التي جرت من 2001 إلى 2019 في مختلف الدول الأوروبية.

وخلصت هذه الدراسة والتي شملت 250 اقتراعا إلى أن أحزاب "اليمين المتطرف" تكسب مساحات جديدة في المشهد السياسي الأوروبي منذ مطلع الألفية مع تسجيل تراجعات ظرفية هنا أو هناك أو مناطق مقاومة لخطاب اليمين المتطرف.

وقد سجلت الدراسة بالخصوص أن أحزاب اليمين المتطرف غيرت من جلدها وتخلصت من طابعها "البهلواني" حيث انتقلت من الشعبوية القومية الحالمة ببناء إنسان جديد ومجتمعات جديدة إلى انتقاد الدولة الراعية للجميع بمن فيهم المهاجرين والتعدد الثقافي مع طرح مطالب هوياتية.

غير أن المفارقة في أوروبا الغربية بالتحديد تكمن في أنه في الوقت الذي يسعى فيه اليمين المصنف متطرفا إلى "تلطيف" خطابه دون المس بجوهره ليصبح مقبولا عند شرائح أوسع فإن خطاب "الهوية" وتحميل المختلف اثنيا وعقائديا المسؤولية عن المشاكل التي أفرزتها السياسات الاقتصادية تسرب إلى الأحزاب التي تعتبر "تقليدية" والتي ترفع لواء محاربة "التطرف".

الخطاب المتطرف جزء من الواقع السياسي

ففي فرنسا مثلا لجأ عدد من السياسيين في العقدين الأخيرين بمن فيهم رؤساء ورؤساء حكومات إلى العزف على وتر الحد من الهجرة والتلويح بالخطر الذي تتعرض له قيم الجمهورية والمشاكل الأمنية التي تقف وراءها الضواحي حيث تقيم ساكنة تنحدر من الهجرة وغيرها من المواضيع التي أصبحت تشكل مادة دسمة للخطاب السياسي والإعلامي اليومي.

ومن مظاهر هذا التوجه وخصوصا على المستوى الإعلامي أن بعض الأسماء التي تحسب على اليمين المتطرف، خطابا وليس تنظيميا، أصبحت من نجوم البرامج السياسية للتعليق على الأحداث صغيرها وكبيرها وهو ما يسمح بشكل يومي بتحديد معالم الخطاب اليميني عموما.

فالمعلق إريك زيمور على سبيل المثال، وبعد أن كانت نوافذ ظهوره التلفزيني قليلة، أصبح اليوم وجها إعلاميا مطلوبا في فرنسا ليقدم قراءته للأحداث انطلاقا من رؤية مركزية تعتبر أن الضحية اليوم في أوروبا هو الرجل (الذكر) الأبيض والذي تشن عليه حرب من قبل دعاة حقوق الأقليات العرقية والمهاجرين والمثليين والحركات النسائية.

وإذا كان إريك زيمور يهاجم من حين لآخر بعض مطالب الحركات النسائية أو تلك المتعلقة بالمثليين مثلا فإن جوهر خطابه يتلخص في ضرورة أن يتكيف الآخر القادم أو المنحدر من وراء الحدود (في فرنسا يتعلق الأمر بالمنحدرين من البلدان المغاربية)، مع كل المعايير التي وضعها الرجل المسيحي الأبيض في أوروبا.

إن ما يميز الخطاب اليميني المتطرف في أوروبا هو أنه أصبح جزء ووقودا للصراع السياسي داخل المؤسسات وجزء من الخطاب الإعلامي، ولم يعد هامشيا إلى درجة أن وسائل الإعلام لم تعد تركز كثيرا على حركات النازيين الجدد في القارة العجوز والتي أصبحت تعتبر مجرد بقايا من تطرف سابق.

ويبقى أن الحديث عن "التطرف" في البلدان الغربية عموما يظل أمرا محفوفا بكثير من المحاذير لكون أغلب الحركات المصنفة في هذا الإطار، وخصوصا في الولايات المتحدة، هلامية الطابع قد تضم شرائح متعددة ومتنوعة وغير منسجمة خطابا وقناعات. وهو أيضا يثير مخاوف باعتبار أن وصف "التطرف" الذي استغل من قبل قوى غربية لتحقيق مكاسب استراتيجية على الصعيد العالمي، خارج إطار شرعية الأمم المتحدة، عبر شن حروب في العراق وأفغانستان والتدخل في الصومال ثم في سوريا وليبيا لاحقا، هذا الوصف قد يستخدم أيضا لضبط ساحة سياسية داخلية بشكل لا يتوقف عند محاربة حركات متطرفة وعنصرية فعلا.