يستند هذا النص إلى تحليلات وردت في مقال رأي للكاتب عبد الله تورابي، نُشر على موقع TelQuel بتاريخ 28 نوفمبر 2025،
أظهرت مقاطع الفيديو التي نشرها الصحفي واليوتيوبر حميد المهداوي حجم الخلل الذي يضرب قطاع الصحافة في المغرب، من الأخلاقيات إلى الممارسات داخل هيئات يفترض أنها مرجعية مهنية تضبط المهنة وتحمي مصداقيتها. ردود الفعل الغاضبة التي تلت الفيديو تعكس صورة مهزوزة لدى جزء واسع من الجمهور تجاه الإعلام المهني، وتعمّق شعوراً عاماً بأن المنظومة فقدت بوصلتها.
الأزمة متعددة الأوجه. أولاً، النموذج الاقتصادي للصحافة متداعٍ ويهدد بقاء مؤسسات ترفض الابتزاز وتتشبث باستقلال خطها التحريري. ثانياً، يتقدم الذكاء الاصطناعي بسرعة ليغدو مصدراً مركزياً للمعلومة، فيما يُعيد تدوير محتوى المؤسسات الإعلامية ويقضم عائداتها، ما يضع المهن الصحفية أمام خطر ملموس. وثالثاً، هناك فجوة ثقة متزايدة: تُتَّهم الصحافة بالتواطؤ أو الارتهان للسلطة أو للمال، فينزلق الجمهور نحو منتجي محتوى على الشبكات الاجتماعية، ليسوا جميعاً ملتزمين بالتحقق أو المسؤولية.
في قلب هذا المشهد، يبرز سؤال دور الدولة. هل تُعامل الصحافة كترف يمكن الاستغناء عنه، أم كقطاع حيوي ذي منفعة عامة يحتاج إلى سياسة عمومية واضحة واستثمار ذكي يرسخ استقلاليته ويقوي مهننته؟ المطلوب ليس وصاية على غرف الأخبار، بل رؤية تُقرّ بأن إعلاماً قوياً ينعكس مباشرة على جودة المؤسسات وثقة المواطنين، تماماً كما أفضت الاستثمارات المنظمة في الرياضة إلى نتائج ملموسة.
لا يمكن التعامل مع الصحافة—كما الثقافة—بوصفها نشاطاً تجارياً خالصاً محكوماً بسوق غير متكافئة وقابلة للتلاعب. يلزم دعم اقتصادي شفاف، وإطار قانوني يحمي الصحفيين، وتنظيم يستوعب التعددية وتحوّلات الصناعة الرقمية. ما يجري داخل المجلس الوطني للصحافة دليل على مأزق غياب الرؤية واستشراء المصالح الضيقة: ترك الأمور على حالها سيعمّق الهشاشة ويعيد إنتاج الفشل.
إذا كانت الثقة هي العملة النادرة اليوم، فاستعادتها تمر عبر ثلاثة مسارات متلازمة: شفافية التمويل والفصل الصارم بين الإعلان والتحرير؛ ترقية معايير الجودة والتحقق والمساءلة الداخلية؛ وتبنّي سياسة عمومية تعتبر الإعلام خدمة وطنية، توازن بين دعم الاستدامة وحماية الاستقلالية. من دون ذلك، ستواصل منصة مثل الذكاء الاصطناعي سحب البساط اقتصادياً، وستبقى الصحافة المهنية الحلقة الأضعف أمام منظومة توزيع لا تكافئ القيمة التحريرية.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بإجابة واضحة عن السؤال المركزي: أي مكان نريده للصحافة في المجتمع؟ عندما تُحسم الإجابة، يصبح ممكناً بناء نموذج اقتصادي قابل للحياة، وإعادة وصل ما انقطع بين غرف الأخبار والجمهور، وفتح طريق مهني يسع جيل الصحفيين المقبل بدلاً من أن يدفعهم إلى الهجرة نحو “صناعة المحتوى” السريعة الزوال.


