أفادت مصادر متقاطعة بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اقترح السفير الحالي لفرنسا في المغرب، كريستوف لوكورتييه، لتولّي منصب المدير العام لوكالة التنمية الفرنسية، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة لهذا الكيان العمومي داخل جهاز السياسة الخارجية والمالية لباريس. وجاء هذا الاختيار عقب إشعار رسمي وجّهه قصر الإليزيه إلى رئاسة الجمعية الوطنية ورئاسة مجلس الشيوخ، تمهيداً لإطلاق المسطرة البرلمانية المنصوص عليها في المادة 13 من الدستور الفرنسي، والتي تفرض رأياً استشارياً للّجان المعنية قبل تثبيت التعيين في مجلس الوزراء.
المعلومات المتوفرة تشير إلى أن موقع "لوديسك" المغربي كشف، استناداً إلى مصادره، أن لوكورتييه، الذي يتولى مهامه على رأس السفارة في الرباط منذ ديسمبر 2022، هو المرشح الذي استقر عليه الاختيار لرئاسة وكالة التنمية الفرنسية، ما يمنحه موقعاً محورياً في توجيه أدوات التمويل العمومي الفرنسي الموجّهة للتنمية. وتضيف هذه المعطيات أن هذا التطور يندرج في سياق مسار مهني يمتد لسنوات طويلة في خدمة السياسة الاقتصادية والتجارية لفرنسا، سواء داخل الإدارة المركزية أو عبر المناصب الدبلوماسية المتخصصة في الملفات الاقتصادية.
من الناحية الإجرائية، لا تزال تسمية لوكورتييه في هذا المنصب مشروطة بمسار مؤسساتي متعدد الحلقات، يبدأ باستشارة البرلمان الفرنسي عبر اللجان المختصة في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، ويمر بالحصول على رأي هيئة مستقلة هي الهيئة العليا من أجل شفافية الحياة العامة قبل أن تُعرض التسمية النهائية على مجلس الوزراء. الإليزيه أوضح أن هذه الآليات تأتي تطبيقاً لصلاحيات رئيس الجمهورية في التعيين في المناصب العليا، مع إخضاع بعضها لرقابة برلمانية شكلية لكنها أصبحت جزءاً من توازنات الحوكمة في باريس منذ إدخال تعديلات دستورية سابقة. وصارت هذه الآلية ممارسة راسخة منذ الإصلاحات الدستورية الأخيرة.
السيرة المهنية للوكورتييه تمنحه صورة مسؤول متمرّس في الدبلوماسية الاقتصادية، إذ راكم تجربة مبكرة داخل الإدارة المكلفة بالعلاقات الاقتصادية الخارجية، قبل أن يتولى مهام استشارية لدى الحكومات المتعاقبة في حقائب الشؤون الاجتماعية والاقتصاد والمالية. لاحقاً انتقل إلى إدارة أجهزة مكلّفة بدعم الحضور الاقتصادي الفرنسي في الخارج، مثل وكالة أوبيفرانس (Ubifrance) التي قادها بين 2008 و2014، قبل أن تصبح بيزنس فرانس (Business France) إثر عملية دمج مؤسساتي، ما رسّخ صورته كأحد الوجوه المرتبطة باستراتيجية دعم الصادرات والاستثمار الفرنسي.
على الصعيد الدبلوماسي، تدرّج لوكورتييه في مناصب سفير لفرنسا في أستراليا ثم في صربيا خلال العقد الماضي، قبل أن يُسند إليه منصب السفير في المملكة المغربية، وهو موقع اكتسب وزناً خاصاً في سياق إعادة ترتيب العلاقات الثنائية بين الرباط وباريس خلال السنتين الأخيرتين. في هذا الإطار، برز السفير من خلال مداخلات علنية قدّم فيها قراءة شاملة لمسار إعادة بناء الشراكة بين البلدين، وتوقف عند دور الوكالة الفرنسية للتنمية في تمويل مشاريع البنية التحتية والمياه والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية في المغرب، الذي يعد أول بلد شريك للوكالة بأكثر من 3 مليارات يورو من الالتزامات المالية في 2024. وذكرت تقارير صحافية مغربية مثل "لو ماتان" هذا الحجم من الالتزامات.
التغيير المنتظر في قيادة وكالة التنمية الفرنسية يأتي في سياق انتهاء ولاية المدير العام الحالي، ريمي ريو، الذي تولى منصبه منذ 2016 وساهم في توسيع دور الوكالات العمومية للتنمية في ما يرتبط بتمويل المناخ وانتقال بلدان الجنوب. وتشير معطيات متوافرة إلى أن ريو يستعد للانتقال إلى مسؤوليات جديدة متصلة بالرهانات المالية الدولية والقارة الإفريقية، مع الاستمرار في رئاسة مبادرة التمويل المشترك (Finance in Common) التي تجمع مئات البنوك العمومية للتنمية على المستوى العالمي.
اختيار سفير فرنسا في الرباط لتولّي إدارة وكالة التنمية الفرنسية له بعد خاص في العلاقة مع المغرب، الذي يشكل اليوم الشريك الأول للوكالة والمختبر الأبرز لأدواتها المالية والاستثمارية. كما ينسجم هذا التوجه مع رؤية عرضها لوكورتييه في مناسبات سابقة، قدّم فيها المغرب بوصفه منصة إقليمية نحو إفريقيا الغربية وفاعلاً رئيسياً في الشراكة الأوروبية – المتوسطية، ما يضع ولاية محتملة له على رأس الوكالة في صلب ملفات تتقاطع فيها اعتبارات التنمية والتمويل والمناخ وجاذبية الأقاليم الإفريقية. وقد أشارت تقارير فرنسية، منها "لو موند"، إلى هذا البعد الإقليمي في مداخلاته.
في حال المصادقة النهائية على التعيين، ينتظر أن تنتقل إدارة حضور فرنسا التنموي في المغرب وإفريقيا إلى مرحلة جديدة تحت إشراف مسؤول يعرف عن قرب تفاصيل الملفات الثنائية بين الرباط وباريس، ويحيط كذلك بخصائص المشهد الإفريقي ومتطلبات التمويل الموجّه نحو البنى التحتية والتحول الأخضر والقطاعات الاجتماعية. غير أن المسار المؤسساتي لم يكتمل بعد، إذ تظل كلمة البرلمان ورأي هيئة الشفافية والمحطة النهائية في مجلس الوزراء عوامل حاسمة في ترجمة الاقتراح الرئاسي إلى تسمية رسمية على رأس وكالة التنمية الفرنسية.