تراجع الحكومة الأمريكية عن متابعة استئنافها في ملف الرسوم التعويضية المفروضة على صادرات الأسمدة الفوسفاطية المغربية نحو السوق الأمريكية أعاد رسم ملامح علاقة مركّبة تجمع بين الولايات المتحدة ومجموعة OCP، أحد أبرز الفاعلين العالميين في سوق الفوسفاط والأسمدة. هذا التطور يأتي بعد أعوام من مواجهات قانونية وتجارية انطلقت منذ تقديم شركة موزاييك الأمريكية عريضة في 2020 تطالب فيها بفرض رسوم تعويضية على الأسمدة المستوردة من المغرب وروسيا بدعوى استفادتها من دعم حكومي مضر بالمنافسة.
الرسوم التي فُرضت ابتداء من 2021 على واردات الأسمدة الفوسفاتية من المغرب وروسيا عقب تحقيق مشترك لوزارة التجارة واللجنة الأمريكية للتجارة الدولية كانت نقطة تحول في تدفق الفوسفاط نحو السوق الأمريكية، إذ بلغت نسبة الرسوم على منتجات OCP حوالي 19,97٪ في القرار النهائي الأول، قبل أن تُعدّل في مراجعات لاحقة. وفي خضم هذه العملية الطويلة، لجأت المجموعة المغربية إلى القضاء الأمريكي للطعن في الأسس القانونية والاقتصادية التي بُني عليها قرار فرض الرسوم، ما أفضى في مرحلة لاحقة إلى صدور حكم لصالحها خفّض العبء الضريبي بشكل ملموس.
قرار الإدارة الأمريكية في مطلع مارس الجاري بعدم المضي في استئناف هذا الحكم، كما أورد موقع Le Desk، يمثّل منعطفاً جديداً في هذا النزاع التجاري، إذ يعني عملياً قبول واشنطن بتفسير قضائي أكثر تقييداً للهامش المتاح أمامها في تحديد مستوى الرسوم التعويضية على الأسمدة المغربية. ويأتي هذا التراجع في لحظة حساسة يشهد فيها ملف الرسوم على الفوسفاط مراجعة دورية شاملة تخطّط لها وزارة التجارة الأمريكية خلال مارس 2026 من أجل تقييم استمرار أو إنهاء أوامر الرسوم المفروضة على المغرب وروسيا منذ 2021.
القرار لا يمكن فصله عن سياق داخلي أمريكي يتّسم بضغط متنام من منظمات المزارعين التي اعتبرت الرسوم على الأسمدة الواردة من الخارج سبباً في ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص المعروض، وقد عبّرت هيئات مهنية مثل الاتحاد الوطني لزارعي الذرة عن رفضها المبكر لهذه الرسوم منذ بدايات تطبيقها. كما يستفيد صانع القرار الأمريكي من هامش جديد بعد إعادة ترتيب نظام الرسوم على بعض المدخلات الفلاحية، ومن بينها الأسمدة، في أعقاب قرارات قضائية وتشريعية قيّدت استخدام أدوات طارئة واسعة النطاق في السياسة التجارية، ما دفع الإدارة إلى التركيز على إعفاء مدخلات تُعد حيوية للإنتاج الزراعي.
على المستوى الاستراتيجي، ينسجم تخفيف القبضة التجارية على واردات الفوسفاط مع إدراك متزايد في واشنطن لأهمية هذه المادة ضمن منظومة الأمن الغذائي العالمي، خاصة بعد إدراج الفوسفاط والبوتاس في قائمة المعادن الحرجة من طرف هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. ويزيد من حساسية الملف تزامن النقاش حول الرسوم مع تدقيق متجدد من وزارة العدل الأمريكية في تركّز سوق الأسمدة المحلي والتحقيقات ذات الصلة بتنسيق الأسعار بين كبار المنتجين، وهي تطورات تُلقي الضوء على الدور المركزي الذي تلعبه شركات مثل Mosaic في تحديد ملامح السوق.
أما بالنسبة للمغرب، فإن تخفيف الضغط القضائي في الولايات المتحدة يفتح المجال أمام OCP لإعادة ترتيب استراتيجيتها تجاه هذا السوق الكبير، بعد سنوات من القيود التي حدّت من تنافسية منتجاتها مقارنة بالمنافسين المحليين والروس. وفي حال أفضت المراجعة الخمسية المرتقبة في مارس إلى إلغاء أو تقليص إضافي للرسوم، فإن ذلك قد يتيح للمجموعة المغربية استعادة حصة معتبرة في سوق الأسمدة الأمريكي في لحظة تعرف فيها أسعار المدخلات الزراعية مراقبة لصيقة من طرف المزارعين والسلطات على حد سواء.
إلى جانب الجانب التجاري البحت، يكتسب هذا التطور دلالة سياسية أوسع في مسار العلاقات المغربية الأمريكية، حيث يتقاطع ملف الفوسفاط مع قضايا أمن غذائي وتوازنات طاقية وسلاسل توريد عالمية، وهي ملفات صارت حاضرة بقوة في الحوار الاستراتيجي بين الرباط وواشنطن خلال السنوات الأخيرة. ومن شأن تخفيف التوتر القانوني حول OCP أن يوفّر أرضية أكثر هدوءاً لمناقشة ملفات أخرى مرتبطة بالاستثمار ونقل التكنولوجيا ومشاريع الأسمدة الخضراء، في وقت تتجه فيه سياسات المناخ والانتقال الطاقي إلى إعادة تشكيل صناعة الأسمدة عالمياً.
في هذا السياق، يظهر أن قرار واشنطن التخلي عن استئنافها ضد OCP لا يقتصر على تسوية نزاع قضائي محدد، بقدر ما يندرج في مسار أوسع لإعادة ضبط أدوات الحماية التجارية بحيث تراعي، إلى جانب حماية الصناعة المحلية، اعتبارات مرتبطة باستقرار أسعار المدخلات الزراعية وضمان تنوّع مصادر التوريد. كما يبعث هذا التوجه بإشارة إلى الفاعلين الدوليين في سوق الأسمدة مفادها أن الولايات المتحدة، رغم استمرارها في استخدام آليات الرسوم والتدقيق التنظيمي، تُعيد تقييم كلفة القيود المفرطة على المنتجات التي تُعتبر حيوية للأمن الغذائي الوطني والعالمي في آن واحد.