وصل السفير الفرنسي كريستوف لوكورتييه إلى الرباط في ذروة أزمة غير مسبوقة بين المغرب وفرنسا. كانت العلاقات في أدنى مستوياتها، مع غياب السفير المغربي عن باريس، وتشديد فرنسي في منح التأشيرات، وظلال قضية «بيغاسوس» وقرار ضد المغرب في البرلمان الأوروبي بدفع من مجموعة «رينيو» القريبة من الرئيس الفرنسي. لم يكن الرجل الذي أوفده قصر «كي دورسيه» دبلوماسياً تقليدياً، بل تكنوقراطياً تولّى سابقاً إدارة «بيزنس فرانس» وعمل في دوائر نيكولا ساركوزي وكريستين لاغارد في وزارة المالية.
جاء إلى الرباط باعتباره «صانع حلول» أكثر منه مجرد حامل لحقيبة دبلوماسية. منذ أول حوار له مع مجلة «تيل كيل» مطلع 2023، حين أكد أن قرار البرلمان الأوروبي «لا يلزم فرنسا»، لم يتوقف لوكورتييه عن الانخراط في نقاشات صريحة، أحياناً حادة، مع الصحافة المغربية حول كل الملفات الشائكة. تناولت هذه الملفات من أزمة التأشيرات إلى رسالة 30 يوليو الموجَّهة من إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس، مروراً بزيارته للأقاليم الجنوبية باعتباره أول سفير فرنسي يتوجّه رسمياً إلى هناك.
اليوم تغيّر المشهد جذرياً. فقد اعترف الرئيس الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء من خلال رسالة 30 يوليو 2024، التي اعتُبرت في باريس والرباط منعطفاً استراتيجياً في مسار العلاقات الثنائية، وكرّست مبادرة الحكم الذاتي كإطار واقعي للحل. بالتوازي، تحركت مواقف الاتحاد الأوروبي في اتجاه أكبر من الانسجام مع روح القرار 2797 لمجلس الأمن بشأن الصحراء، بما منح الرباط مكسباً دبلوماسياً إضافياً في بروكسيل. وفي هذا السياق، يجري التحضير لمعاهدة صداقة غير مسبوقة بين المغرب وفرنسا، هي الأولى من نوعها التي تبرمها باريس مع بلد غير أوروبي، تحت إشراف لجنة مشتركة من شخصيات عيّنها قائدا البلدين لوضع تصور شامل للثلاثين سنة المقبلة من التعاون. لوكورتييه، الذي شارك في وضع الأسس الأولى لهذا المشروع، يتابعه اليوم بعين سفير على أبواب المغادرة، يستعد لتولي رئاسة الوكالة الفرنسية للتنمية، التي يُعدّ المغرب أول مستفيد من برامجها التمويلية.
يشرح السفير أن عملية إعادة بناء الثقة بين الرباط وباريس كانت أشبه بعمل تطريز دقيق أنجزه دبلوماسيون ومسؤولون سياسيون «غرزة غرزة»، في هدوء تام، إلى أن تكوّنت في النهاية لوحة نسيجية متكاملة. هذه اللوحة، كما يقول، هي معاهدة الصداقة التي يُراد كشفها للرأي العام اليوم، إطاراً سياسياً واقتصادياً وثقافياً وأمنياً لعلاقة وُصفت طويلاً بأنها «فريدة»، لكن الهدف الآن هو جعلها أكثر توازناً ووضوحاً. النموذج التاريخي الأقرب هو معاهدة الإليزيه، التي وُقِّعت سنة 1963 بين فرنسا وألمانيا بعد ثلاث حروب مدمّرة، وشكّلت ختم مصالحة بين «أعداء وراثيين» قبل أن تتبعها معاهدات مشابهة مع إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبولونيا. غير أن الخيط الجامع لتلك النصوص كان دائماً البناء الأوروبي المشترك، في حين تتجاوز المعاهدة المرتقبة هذا الإطار نحو فضاء أوسع يمتد من أوروبا إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.
من وجهة نظر لوكورتييه، ما يجعل الحالة المغربية استثنائية هو أن هذه ستكون أول معاهدة من هذا النوع تُبرم بين دولة أوروبية وشريك من الجنوب، وتحديداً من بلد مغاربي. هذا الأمر يحوّل البحر الأبيض المتوسط من «حدّ فاصل» يطالب البعض بتكريسه إلى «فضاء للتضامن» وفرص تعاون متعددة بين الأشخاص والشركات والمؤسسات الأمنية. لا يتوخى النص حصر المغرب وفرنسا في فقاعة ثنائية مغلقة، بل يُقدَّم كمخبرٍ عملي لنموذج يمكن أن تُستلهم منه صيغة جديدة للعلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ثم بين أوروبا والمغرب العربي وإفريقيا على المدى الأبعد. في عالم تتسارع فيه النزعات الانعزالية وتتعمق فيه سياسة المحاور، تراهن الرباط وباريس، كما يقول السفير، على حيوية حوار شمال–جنوب مؤطّر ومُمأسس، بدلاً من الاكتفاء بخطابات عامة عن الشراكة.
في ما يخص قضية الصحراء، يؤكد لوكورتييه أن المعاهدة المنتظرة ستتعامل مع المملكة كما هي «في كامل ترابها»، بعد أن تحولت رسالة 30 يوليو إلى ما يشبه «موقفاً غير قابل للتراجع» في العقيدة الدبلوماسية الفرنسية. على المستوى العملي، يشير إلى أن الأقاليم الجنوبية تُعامَل في برامج التعاون الاقتصادي والثقافي والتعليمي الفرنسية مثل غيرها من جهات المغرب، من خلال شراكات جامعية بين جامعة العيون ومؤسسات فرنسية، واستثمارات في قطاعات الصناعة والتجهيز، في انسجام مع المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لربط دول الساحل بالمحيط عبر موانئ وبنى تحتية كبرى. بالنسبة لباريس، فإن التنمية في الجنوب ليست شأناً مغربياً صرفاً، بل رهاناً مشتركاً على الاستقرار، نظراً لارتباط هذه الجغرافيا مباشرة بمسارات الهجرة غير النظامية، وبؤر التطرّف، وشبكات التهريب التي تؤثر في أمن أوروبا.
على مستوى تجربته الشخصية، يصف لوكورتييه السنوات الثلاث في الرباط بأنها فصل من تاريخ طويل بين بلدين عرفا فترات تقارب وتوتر. لكنه يعتبر أن ما تحقق في هذه المرحلة لم يكن مجرد ترميم لما كان قائماً، بل «إعادة تأسيس» حقيقية للعلاقة على «صفحة بيضاء». فقد جرى، كما يقول، «تطهير» التراكمات السلبية التي سبقت الأزمة الأخيرة، وإعادة بناء قنوات تواصل فعّالة بين العاصمتين، حتى صارت طريقة التنسيق بين المسؤولين تشبه لاعبي كرة قدم يتبادلون الكرة بثقة وهم شبه مغمضي العينين. في تقديره، ليست غاية في حد ذاتها بقدر ما هي إطار مفتوح يجب أن يمتلئ يومياً بالمبادرات؛ إذ يتصور نصاً مركباً من «خلايا» أو «حجرات» موضوعاتية، من الاقتصاد والاستثمار إلى الثقافة والبحث والأمن، يكون على مختلف الفاعلين في البلدين – دبلوماسيين ورجال أعمال ومثقفين وأكاديميين وعسكريين – أن يملؤوها بالبرامج والمشاريع.
انطلاقاً من ذلك، يرفض السفير القراءة التي تختزل العلاقة في منطق «عدم التكافؤ» أو «الوصاية». فبرأيه، لم يعد الأمر يتعلق بمساعدات إنمائية من «غني يساعد فقيراً»، بل بشراكة دينامية بين دولتين لكل منهما فضاؤه الاستراتيجي: أوروبا بالنسبة لفرنسا، والمغرب العربي وإفريقيا بالنسبة للمغرب، مع قناعة متزايدة بأن ما يجمعهما من مصالح ورهانات أكبر مما يفرّقهما. يَستحضِر لوكورتييه «الدم المسفوك» لجنود مغاربة قضوا على الجبهات الفرنسية في حروب القرن الماضي، و«الدم الحي» الذي يجري اليوم في عروق ملايين الأشخاص الذين يربطون بين البلدين: مغاربة يدرسون ويعملون في فرنسا، فرنسيون يستثمرون أو يعيشون في المغرب، وجاليات مزدوجة الانتماء على ضفتي المتوسط.
هذه الشبكات البشرية، كما يؤكد، أقوى من الفوارق الثقافية والقيمية، التي ينبغي النظر إليها بوصفها مصدر غنى لا عامل انقسام، ضمن إطار حوار منظم وشراكة رابحة للطرفين. وفي الأفق الأوسع، يطمح الطرفان إلى تعميم هذا النموذج على الفضاء الأورو–إفريقي، مع تموقع المغرب كحلقة وصل مركزية، ومعاهدة صداقة تُبنى لتتجاوز الأعمار السياسية للولايتين الرئاسيتين وتؤسس لمرحلة أطول في تاريخ الضفتين.