تشكّل الزيارة التي يقوم بها المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية، الجنرال محمد بريذ، إلى موريتانيا محطة جديدة في مسار التقارب العسكري بين الرباط ونواكشوط، في ظرف إقليمي مطبوع بتحديات أمنية متراكمة في منطقة الساحل والصحراء. تأتي هذه الزيارة في إطار الدورة السادسة لأشغال اللجنة العسكرية المغربية الموريتانية المشتركة، التي تعقد هذه المرة في نواكشوط ما بين 6 و8 أبريل 2026، بعد دورات سابقة احتضنتها الرباط خلال الأعوام الماضية لتعزيز قنوات التنسيق بين المؤسستين العسكريتين في البلدين.
البيان الرسمي الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية قدّم الزيارة باعتبارها امتدادا لاجتماعات دورية تروم تقييم حصيلة التعاون العسكري الثنائي وتحديد برامج العمل المقبلة، من دون الخوض في تفاصيل سياسية أو جيوستراتيجية. غير أن مستوى الاستقبال الذي حظيت به البعثة العسكرية المغربية في نواكشوط يعكس وزن الملف في أجندة البلدين، إذ استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني الجنرال بريذ بحضور السفير المغربي في موريتانيا حميد شبار، قبل أن يجري المسؤول العسكري المغربي مباحثات مع وزير الدفاع حننه ولد سيدي وكبار قادة الجيش الموريتاني.
ترتبط الرباط ونواكشوط منذ سنوات بقناة ثابتة للتعاون العسكري تمأسست في صيغة “اللجنة العسكرية المشتركة”، التي بدأت دوراتها منذ ما قبل عقد تقريباً وراكمت برامج تعاون تشمل التكوين والتدريب وتبادل الخبرات ومناورات مشتركة، إلى جانب آليات تنسيق على مستوى مراقبة الحدود ومكافحة التهديدات غير التقليدية في المنطقة. وقد سبق للجنرال محمد بريذ أن أشرف على دورات سابقة لهذه اللجنة في الرباط، من بينها الدورة الخامسة التي انعقدت في نوفمبر 2024 بحضور رئيس أركان الجيوش الموريتانية، ما أتاح للطرفين إرساء تقويم سنوي للأنشطة وتخطيط مسبق لبرامج العام الموالي.
يقدَّم الجنرال محمد بريذ داخل المنظومة العسكرية المغربية باعتباره أحد الوجوه البارزة في إدارة الملفات العملياتية في الجنوب، منذ تعيينه مفتشاً عاماً للقوات المسلحة الملكية وقائداً للمنطقة الجنوبية في أبريل 2023، بقرار من الملك محمد السادس بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة. وقد انخرط منذ ذلك الحين في مسار تكثيف التنسيق مع شركاء المغرب العسكريين، سواء عبر اللقاءات الدورية مع قيادة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو)، أو من خلال محطات التعاون مع جيوش دول الجوار، وفي مقدمتها موريتانيا.
تزامن هذه الزيارة مع وضع أمني متحرك في منطقة الساحل يمنحها بعداً إضافياً، حيث تتابع العواصم المعنية امتدادات التوترات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود ومسارات الهجرة غير النظامية والتهريب عبر البر والبحر. بالنسبة لموريتانيا، التي تتقاطع حدودها مع مالي والصحراء الغربية والمغرب والجزائر والسنغال، يمثّل ضبط بيئتها الأمنية مسألة حيوية، بينما ينظر المغرب إلى جيرانه الجنوبيين باعتبارهم فضاءً أساسياً لأي ترتيب أمني أو اقتصادي امتدادي نحو إفريقيا الغربية والأطلسي.
البيانات الرسمية الصادرة في نواكشوط والرباط اكتفت بالتأكيد على “المستوى الإيجابي” للتعاون العسكري الثنائي، مع الإشارة إلى أن أعمال الدورة السادسة للجنة العسكرية المشتركة تُعنى بحصر حصيلة التعاون وتحديد آفاقه، وهو ما يشمل عادة برامج التكوين المتبادل، دعم القدرات اللوجستية، تبادل المعلومات في المجالات المرتبطة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتطوير آليات التدخل عند الضرورة في مجالات البحث والإنقاذ أو الكوارث الطبيعية. كما أُشير إلى أن المسؤولين العسكريين من الجانبين عبّروا عن “ارتياحهم” لنتائج التعاون القائم واعتبروه نموذجاً لشراكة استراتيجية بين بلدين متجاورين يرتبطان بعلاقات سياسية واقتصادية وثقافية راسخة.
في خلفية هذه الحركة الدبلوماسية العسكرية، تتابع عواصم إقليمية أخرى، من بينها الجزائر، تحركات الرباط ونواكشوط، لاسيما أن السنوات الأخيرة شهدت عودة مكثفة للدينامية المغربية على مستويات متعددة في الساحل، عبر التعاون الأمني والاقتصادي ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بالموانئ والأطلسي، في وقت تسعى فيه موريتانيا إلى تنويع شراكاتها مع مختلف الفاعلين الدوليين والإقليميين مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع جيرانها المباشرين. في هذا السياق، تندرج زيارة الجنرال بريذ ولقاءاته في نواكشوط ضمن مسار تدرجي يهدف إلى تثبيت قنوات حوار عسكري منتظم، وتوسيع مجالات التعاون العملي، دون أن يُعلن عن ترتيبات عسكرية استثنائية أو تحالفات جديدة خارجة عن الأطر المعروفة للتعاون بين البلدين.