متى تصبح الفرقة الافتراضية «حقيقية»؟ حكاية «نيون أوني»

أضيف بتاريخ 03/19/2026
منصة الخبر

في أواخر 2025 بدأت على منصات البث فرقة يابانية جديدة تحمل اسم «Neon Oni» تُعرِّف نفسها بأنها مجموعة «أورا-كاواي ميتال» مكوّنة من سبعة أعضاء متمركزين في طوكيو، وتجمع بين ثقل الغيتارات وإيقاعات الميتال ونبرة غنائية قريبة من البوب الياباني. خلال أشهر قليلة راكمت الفرقة نحو 80 ألف مستمع شهري على «سبوتيفاي»، وتجاوز عدد الاستماعات لأغنيتها الأكثر انتشاراً حاجز 1.2 مليون تشغيل، وهي أرقام لافتة لمشروع غير مرتبط بشركة إنتاج كبرى أو بمشهد حي معروف



غير أنّ ما بدا ظاهرة صاعدة في مشهد الميتال الياباني اتضح لاحقاً أنه بناء افتراضي كامل صاغه شخص واحد يستخدم أداة توليد الموسيقى «Suno AI»، إذ كُتبت الأغاني وبرمجت الآلات رقمياً، فيما صُنعت صور الأعضاء المزعومين ومقاطع الفيديو الدعائية عبر نماذج توليد الصور والفيديو بالذكاء الاصطناعي. أرفق المبدع، الذي يعرّف نفسه باسم «Kagi»، سيراً ذاتية مفصلة لكل «عضو» وعناوين في طوكيو، ودوّن على صفحة الفرقة في «سبوتيفاي» أنها «مبنية في طوكيو» مع سرد قصصي عن مشروع صغير خرج من «آلة» قبل أن يتحول إلى فرقة لها جمهور.

مع الوقت بدأت الشكوك تتسلل إلى مجتمع المعجبين والمتابعين، إذ لاحظ البعض غياب أي أثر للأسماء الواردة في قواعد بيانات الموسيقى اليابانية أو على حسابات التواصل الاجتماعي، كما لُفت النظر إلى تفاصيل غير طبيعية في لقطات الأيدي والآلات ضمن الفيديوهات، وهي من العلامات المتكررة في الصور المولَّدة آلياً. قاد هواة تقصٍّ على منصات «إكس» ومجموعات «فيسبوك» عملية تتبع رقمية انتهت إلى ربط الحسابات المستخدمة في إدارة المشروع بعنوان في أوروبا، بعيداً عن طوكيو التي تظهر في السرد التسويقي. عند هذه النقطة بات واضحاً أن «Neon Oni» ليست فرقة ناشئة من الأحياء الخلفية للعاصمة اليابانية، بل شخصية فنية مبنية بالكامل بالذكاء الاصطناعي.

انكشاف هذا الجانب لم يؤدِّ إلى اختفاء المشروع، بل فتح فصلاً جديداً؛ إذ قرر صاحبه، بعد الضغط المتزايد من الجمهور ووسائل الإعلام، الاستعانة بسبعة موسيقيين حقيقيين من فرق طوكيو المستقلة ليقدموا الأغاني نفسها على المسرح. تشير تقارير متطابقة إلى أن التشكيلة الحالية تضم مغنيتين وغيتاريين وباساً وطبالاً إلى جانب المنتج، وأن الفرقة بدأت بالفعل تقديم حفلات في اليابان، مع ستة عروض مجدولة خلال شهري مارس وأبريل 2026، مستخدمة الهوية البصرية ذاتها التي صُنعت ابتداءً في الفضاء الرقمي. بذلك انتقل المشروع من «ملف صوتي» صادر عن خوارزمية إلى فرقة تقف فعلياً أمام جمهور يشتري التذاكر والبضائع المروجة للاسم نفسه.

هذا التحول منح صاحب الفكرة مساحة لطرح قراءة مغايرة لمخاوف فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، إذ يصر في مقابلاته على أن مشروعه وفّر عملاً لموسيقيين جدد بدل أن يحل محلهم، وأن الأداة التي استُخدمت لكتابة الأغاني لم تمنع الحاجة إلى الأداء الحي والتنظيم اللوجستي والتفاعل مع الجمهور. غير أن الجدل الأوسع لا يدور حول وجود الموسيقيين على المسرح بقدر ما يتعلق بمستوى الشفافية في تقديم العمل منذ بدايته، حيث يرى منتقدون أن الإيحاء بوجود فرقة يابانية حقيقية وبناء سير ذاتية وهمية لأشخاص غير موجودين يضع المشروع على حافة التضليل التجاري حتى لو تحوّل لاحقاً إلى كيان ملموس.

في خلفية هذه القضية يتواصل النقاش العالمي حول دور أدوات مثل «Suno AI»، التي دخلت في تسوية كبرى مع شركة «Warner Music Group» عام 2025 سمحت لها باستخدام كتالوغ الشركة لتدريب نماذجها، ما يثير أسئلة متزايدة عن حقوق الملكية والأصوات البشرية في عصر المحتوى المولَّد آلياً. تجربة «Neon Oni» تضع صناعة الموسيقى أمام أسئلة عملية تتجاوز الجدل النظري، من قبيل كيفية تعريف «الفرقة» عندما تُكتب الأغنية بواسطة خوارزمية لكن تؤدى بأشخاص من لحم ودم، وكيف ينبغي تنظيم الإشعارات التجارية عندما يتحرك مشروع من كونِه تجربة فردية على منصة ذكاء اصطناعي إلى كيان يشارك في مسابقات مثل التصفيات اليابانية لـ«Wacken Metal Battle» ويقدم جولات موسيقية مدفوعة التذاكر. في هذه المساحة الرمادية بين الأداة والاحتيال يترسخ المثال الذي تقدمه «Neon Oni» بوصفه إشارة مبكرة إلى شكل التوتر القادم بين الخيال الاصطناعي ومتطلبات المصداقية في الصناعات الثقافية.