إدانة كمال داود في الجزائر بسبب رواية «حوريات»

أضيف بتاريخ 04/22/2026
عبر اليريد الدولي

أعلنت السلطات القضائية في الجزائر عن إصدار حكم غيابي بالسجن لمدة ثلاث سنوات بحق الكاتب الفرنسي-الجزائري كمال داود، إضافة إلى غرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار جزائري. جاء هذا الحكم على خلفية روايته "Houris" التي حصلت على جائزة غونكور لعام 2024. يُعد هذا التطور مرتبطًا بالنزاع حول السردية الأدبية لفترة "العشرية السوداء" والتعقيدات في العلاقة المتوترة بين الجزائر وباريس. وقد كشف كمال داود نفسه عن الحكم عبر منصة "إكس"، موضحًا أنه صدر "تطبيقًا لميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، في إشارة واضحة إلى الإطار القانوني الذي يقيد تناول موضوع الحرب الأهلية في الفضاء العام الجزائري.



القضية الجنائية التي انتهت إلى هذا الحكم تعود إلى شكاوى استهدفت رواية “Houris”، وفي مقدمتها دعوى رفعتها الشابة الجزائرية سعدى عربان، وهي ناجية من موجة العنف التي عرفتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، تتهم فيها الكاتب، وزوجته الطبيبة النفسية، باستغلال معطيات بوح شخصي أدلت به خلال جلسات علاجية لتحويلها إلى مادة روائية دون موافقة مسبقة. وتعتبر صاحبة الشكوى أن إحدى الشخصيات المركزية في العمل تستلهم بشكل مباشر وغير مصرّح به تفاصيل من تجربتها، ما يثير، في نظرها، أسئلة حول حدود الخيال السردي، وسرّية العلاقة العلاجية، وحماية الحياة الخاصة في الكتابة الروائية. وفي المقابل يتمسّك الكاتب بوصف النص عملا تخيليا يستحضر الحرب الأهلية من زاوية روائية لا وثائقية، معتبرا أنه يدفع ثمن الإشارة الواضحة في الكتاب إلى المادة 46 من مرسوم تطبيق “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية”، التي تُدرج في صدر الرواية على شكل تمهيد قانوني.

الرواية نفسها، التي تتقاطع فيها سيرة امرأة صامتة بعد تعرّضها لمحاولة ذبح على يد مسلّح في التسعينيات مع أسئلة العدالة والذاكرة، شكّلت منذ صدورها موضوع نقاش حاد داخل الساحة الثقافية الجزائرية، قبل أن تحصد أرفع جائزة أدبية في الفضاء الفرنكوفوني وتتحوّل إلى ظاهرة نقدية في أوروبا. وقد أعاد منح غونكور لهذا العمل تسليط الاهتمام على الإطار القانوني المنظّم لخطاب “المأساة الوطنية” في الجزائر، ولا سيما البنود التي تعاقب كل من يُتَّهم بـ“استغلال جراح المأساة” أو “الإساءة لصورة مؤسسات الدولة” في الداخل والخارج. وفي هذا السياق يرى عدد من المراقبين أن المسعى القضائي ضد داود لا ينفصل عن حساسية السلطة حيال إعادة فتح ملفات التسعينيات في الحقل الأدبي والإعلامي، رغم مرور قرابة عقدين على الاستفتاء الذي كُرِّس عبره النص المؤسس للميثاق.

القضية لم تبق محصورة في المسار القضائي الداخلي، إذ سبق أن أعلنت الجزائر، في مايو 2025، إصدار مذكرتي توقيف دوليتين بحق كمال داود، بينما يقيم الكاتب في فرنسا حيث يواصل نشاطه الصحفي والأدبي، وتُمنع روايته من النشر في بلده الأصلي. واعتبرت محاميته جاكلين لافون أن هذه المذكرات تندرج في سلسلة إجراءات تهدف إلى إسكات كاتب يتناول في عمله الأخير مجازر العشرية السوداء، في قراءة تربط مباشرة بين تحريك الدعوى الجنائية وحساسية السلطة تجاه هذه المرحلة. في الوقت نفسه يقدَّم داود في جزء من الصحافة الجزائرية، مثلما أشارت مقالة في “Le Matin d’Algérie”، ككاتب ينسجم خطابه جزئيا مع تمثّلات غربية معيّنة للعالم العربي‑الإسلامي، ما يجعل حضوره موضع سجال في المشهد الثقافي المحلي.

ويأتي الحكم الصادر بحقه في مناخ يتسم بتدهور ملحوظ في العلاقات بين الجزائر وباريس منذ صيف 2024، حين أثار الموقف الفرنسي الداعم لخطة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب للصحراء الغربية توترا حادا مع السلطات الجزائرية، فتح الباب أمام سلسلة من احتكاكات سياسية وإعلامية متلاحقة. كما أن توقيف الكاتب الجزائري‑الفرنسي بوعلام صنصال في الجزائر، وما تبعه من دعوات فرنسية للإفراج عن “جميع معتقلي الرأي”، أضفى على ملف حرية التعبير بعدا إضافيا في قراءة هذا الحكم الأخير ضد داود. في هذه المعادلة المعقّدة، يتقاطع البعد القانوني للنزاع حول “Houris” مع صراع سرديات حول طريقة تمثيل الماضي القريب، ومع ديناميكيات دبلوماسية تغذّيها ملفات إقليمية حساسة، من بينها التوتر المغربي‑الجزائري وانعكاساته على علاقة الجزائر مع شركائها الأوروبيين، في مقدمتهم فرنسا.