اتهمت صحيفة «كيهان» الإيرانية، المحسوبة عملياً على مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي، ما تصفه بـ«جيش الإنترنت التابع للموساد ووكالة الاستخبارات المركزية» بالمسؤولية المباشرة عن مقتل 2427 «شهيداً» خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، في عددها الذي حمل تقريراً تحليلياً يُرجع «أحداث الشغب» إلى «التأثر بالدعاية المعادية عبر الفضاء الافتراضي» بدل الاعتراف بدور أجهزة الأمن في القمع.
الصحيفة ترى أن هؤلاء القتلى ما كانوا ليسقطوا لو أنّ إيران أنشأت منذ سنوات «شبكة معلومات وطنية» مكتفية بذاتها، أي إنترنت داخلي مفصول عن الشبكة العالمية ومراقَب بالكامل، على غرار النموذج الكوري الشمالي الذي كثيراً ما يُطرح في الخطاب الرسمي بوصفه مثالاً في «السيطرة على الفضاء السيبراني». «كيهان» أبعد من ذلك عندما تصف المتظاهرين وبعض الناشطين بأنهم «إرهابيون» تخرّجوا من «معسكرات تلغرام وإنستغرام» حيث تعلّموا كيفية القتل وإشعال الحرائق وتنفيذ الهجمات، بينما يُفترض أن العدو الخارجي يدير «غرفة العمليات» مباشرة من منصات التواصل.
هذا الخطاب يأتي متزامناً مع أول إعلان رسمي إيراني عن حصيلة القتلى. إذ أقرت مؤسسة «الشهداء وقدامى المحاربين» بوجود 3117 قتيلاً منذ اندلاع الاحتجاجات أواخر ديسمبر. منهم 2427 صُنّفوا كـ«شهداء» من القوات الأمنية أو «المواطنين الأبرياء»، في حين تُرك الباقون في خانة «المشاغبين» أو «المخربين». ولكن منظمات حقوقية مستقلة، بينها «وكالة نشطاء حقوق الإنسان» (HRANA)، تتحدث عن أكثر من خمسة آلاف قتيل توصلت إلى توثيق أسمائهم وانتماءاتهم، معظمهم من المتظاهرين وبينهم عشرات القاصرين. مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى نظراً للصعوبة التوثيق في ظل الاعتقالات وحجب المعلومات. كما تشير تقارير دولية إلى إغلاق شبه كامل للإنترنت الدولي في ذروة المواجهات. ما أعاق التواصل، وعرقل عمل الصحفيين، وحال دون نقل الصور وشهادات الشهود إلى الخارج. بينما استمرت الخدمات المحلية على «الشبكة الوطنية» في العمل لخدمة مؤسسات الدولة. ومن ثمّ يبدو واضحاً أن الدعوة اليوم إلى تعميم نموذج إنترنت مغلق ليست بهدف حماية أرواح الإيرانيين، بقدر ما هي محاولة لتثبيت بنية تحتية رقمية لتكرار سيناريو التعتيم الشامل عند اندلاع احتجاج جديد. مع تحميل المسؤولية لـ«الفضاء المجازي» بدلاً من من أصدر أوامر إطلاق النار.
تُعتبر «كيهان» واحدة من أقدم الصحف اليومية في إيران. تأسست في فبراير 1943 في طهران على يد عبد الرحمن فرامرزى ومصطفى مصباحزاده، وتحولت إلى إمبراطورية صحفية. في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، تبنّت «كيهان» خطاً موالياً للنظام الملكي، وكانت جزءاً من ماكينة الإعلام الرسمي. ثم تعرضت، إلى جانب «اطلاعات»، لموجات من الرقابة والإغلاق المؤقت خلال صدامات أواخر السبعينيات. بعد الثورة، تمت مصادرة ممتلكات صاحبها وتحويل المؤسسة إلى ملكية حكومية. ثم جرى تصنيفها كمنبر رسمي تديره الدولة، حيث أصبح تعيين ناشرها ومديرها العام من صلاحيات المرشد الأعلى، شأنها في ذلك شأن صحف «جمهوري إسلامي» و«اطلاعات» وغيرها. منذ التسعينيات، رسّخت الصحيفة موقعها كإيرانية محافظة. إذ يصفها تقرير «فريدوم هاوس» بأنها «الناطق غير الرسمي باسم المرشد» أو «البوق الأبرز للتيار الأصولي». ويرأس تحريرها منذ التسعينيات حسين شريعتمداري، ممثلاً للمرشد في المؤسسة الإعلامية. إلى جانب نسختها في طهران، استمر مكتبها في لندن في إصدار جريدة «كيهان لندن» ذات التوجه الملكي المعارض. لكن النسخة من طهران اليوم تبقى الأكثر تأثيراً داخل إيران، وتُقرأ تصريحاتها ومقالات الافتتاحية كعلامة على ما يدور في دوائر الحكم.