منذ 8 يناير 2026، تواجه إيران انقطاعًا واسعًا للاتصال جعل البلاد شبه معزولة عن العالم. أُغلقت خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية، وحتى الفضائية عبر Starlink تراجعت فعاليتها بشكل حاد بفعل استخدام الحكومة لِمُشوشات GPS عسكرية تقلص الأداء في بعض المناطق حتى 80%. هذا النمط من الحجب ليس جديدًا؛ فقد شهدته مصر ستة أيام خلال احتجاجات 2011، وأوغندا قبل يومين من انتخابات يناير 2026، والجزائر وليبيا .. لكن مستوى التعقيد والاتساع في الحالة الإيرانية غير مسبوق.
بالتوازي، تعمل ماكينة الدعاية في طهران بأقصى طاقتها. التلفزيون الرسمي وقنوات تلغرام التابعة لجهات مقرّبة من السلطة كثّفت نشر “اعترافات” لمواطنين يزعمون مهاجمة قوات الأمن. في هذا السياق، يعاني الصحفيون والمواطنون والمنظمات الدولية في الوصول إلى معلومات موثوقة. تلخّص المحللة في NewsGuard، إيناس تشومناليز: «هناك كمٌّ كبير من المعلومات لكن لا وسيلة للوصول إليها بسبب قطع الإنترنت».
وسط هذا الفراغ، اجتاحت الشبكات الاجتماعية صور ومقاطع مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما جعل قراءة الواقع الميداني شبه مستحيلة. في 2025، أعاقت صور مزيفة فهم احتجاجات في تركيا واستُخدمت كأداة تعبئة خلال انتفاضة الجيل Z في نيبال. اليوم يبدو أن إيران هي «الساحة الأكثر قابلية للاشتعال حتى الآن»، كما يوضح The Atlantic: تتصارع فصائل سياسية متعددة وحكومات أجنبية والنظام الإيراني نفسه للهيمنة على سرد الأحداث، فيما أصبحت أدوات “صناعة الواقع” أكثر تطورًا وتوافرًا. ظهرت مثلًا فيديوهات تُظهر محتجين يعيدون تسمية شوارع باسم دونالد ترامب, حصدت عشرات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات؛ وقد أكدت NewsGuard عبر أداة IdentifAI أنها مُولّدة بالكامل.
انطلقت الانتفاضة الوطنية في 28 ديسمبر. ثم تلتها سريعًا حملة تلاعب معلوماتي. خلال ساعات، وصفت حسابات مقرّبة من النظام صورًا موثوقة للاحتجاجات بأنها «عجائن ذكاء اصطناعي». عندما يمكن رفض أي صورة باعتبارها تركيبًا مُحتملًا، يكفي صاحب السلطة زرع الشك وتقويض الإيمان بواقع مشترك، كما يلخّص The Atlantic. هنا يظهر «عائد الكاذب»؛ أي الميزة التي يحوزها الفاعلون الخبيثون عندما يُربكون الحقيقة ذاته.
في هذا الضباب المعلوماتي، تتعرّض الصحافة لضغط مزدوج. من جهة، تُقيَّد القدرة على ممارسة العمل الصحفي؛ فبحسب مراسلون بلا حدود، هُدِّد ما لا يقل عن ستة من العاملين في الإعلام مباشرةً من قبل استخبارات الحرس الثوري في الأيام السابقة لـ8 يناير. ومن جهة أخرى، عندما تنجح المعلومة في الخروج، تجد صعوبة في الوصول إلى الجمهور. المنصات الرقمية تُهمّش الناشرين التقليديين؛ إذ يمنح غوغل مساحة أوسع لملخصات مولّدة بالذكاء الاصطناعي ومنشورات X وفيديوهات يوتيوب على منصته Discover عبر الهواتف. «أكبر مُجمّع أخبار في العالم يبدو أنه يُخفض ترتيب محتوى الناشرين».
هذا الإضعاف المزدوج للصحافة، في إنتاج المعلومة الموثوقة وتوزيعها، يخلق بيئة مثالية للتضليل. لا يمكن أن تتحمّل غرف الأخبار وحدها عبء المواجهة؛ المطلوب التزام فعلي من المنصات والجهات التنظيمية، خصوصًا في كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي وتعزيز التحقق من الحقائق. وعندما تتوافر الموارد، يُظهر التحقق فعاليته: تشير دراسة بإشراف Sciences Po Paris بعنوان Fact-Checking and Misinformation: Evidence from the Market Leader إلى أن «عندما تُحدّد AFP Factuel خبراً زائفًا، تنخفض فُرص انتشاره بمتوسط 8%». لكن السرعة حاسمة؛ فالنفي المتأخر يفقد أثره. وترى الخبيرة الاقتصادية الإعلامية جوليا كاجيه أن المنصات مطالبة بالمزيد: «يحسّن Facebook صورته بالتعاون مع وسائل الإعلام في التحقق، لكنه لا يزوّدها بالأدوات اللازمة. ينبغي للمنظِّم، أن يُلزمه بذلك» تصريح في لو موند.