وسم «الإعلام الموثوق»… حماية للجمهور أم خطوة نحو صحافة رسمية؟

نشر بتاريخ 02/03/2026
منصة الخبر

تتصاعد في الأوساط الإعلامية والسياسية نقاشات حادّة حول فكرة منح «علامة ثقة» لوسائل الإعلام التي تُعتبَر ملتزمة بالمعايير المهنية والأخلاقية. تقوم الفكرة، في ظاهرها، على هدف نبيل: مساعدة الجمهور على التمييز بين الأخبار الموثوقة وسيلٍ من الشائعات والمحتويات المضلِّلة التي تغمر الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو. في زمن تتقاطع فيه الأخبار الزائفة مع الدعاية السياسية وخوارزميات المنصات، يبدو إغراء وضع ختم يميّز «الإعلام الجاد» عن غيره أمراً مفهوماً.  



أنصار المشروع يقدّمونه كآلية «توضيح» لا كأداة رقابة. بالنسبة إليهم، لا يدور الحديث عن التدخل في مضمون المقالات والتقارير، بل عن تقييم طرق العمل: شفافية الملكية، وضوح الخط التحريري، احترام قواعد التصحيح والحق في الرد، التمييز بين الخبر والرأي، وإظهار المحتوى المدفوع أو الدعائي بشكل صريح. بهذا المعنى، يكون الوسم أشبه بشهادة جودة مهنية، يحصل عليها من يوافق على الخضوع لتدقيق دوري من هيئة مستقلة، ويستفيد منها في تعزيز مصداقيته أمام جمهور مرتبك بين مئات المنصات والصفحات.  

غير أن منتقدي الفكرة يرون في هذا الوسم خطوة خطيرة نحو إنشاء فئة من «الوسائل الرسمية» مقابل «وسائل غير معترف بها». فحتى لو لم تكن العلامة صادرة مباشرة عن السلطة التنفيذية، يكفي أن تحظى بدعم سياسي أو قانوني كي تتحول، في نظر جزء من الرأي العام، إلى أداة فرز أيديولوجي. هنا يظهر التخوّف من أن تُستبعد بعض الأصوات المزعجة أو المخالِفة من دائرة «الإعلام الموثوق»، ليس على أساس جودة عملها، بل بسبب خطها السياسي أو استقلاليتها الاقتصادية عن المجموعات الكبرى.  

كما تُطرح أسئلة عملية معقّدة: من يضع المعايير؟ من يختار أعضاء الهيئة المانحة للوسم؟ كيف يمكن ضمان عدم تأثُّر قراراتها بضغوط حكومية أو لوبيات إعلامية وتجارية؟ وماذا عن المنصات الصغيرة أو المبادرات المحلية التي تفتقر للموارد اللازمة لتلبية متطلبات تقنية وبيروقراطية ثقيلة، رغم جديّة ما تقدمه من محتوى؟ يخشى كثيرون أن يؤدي ذلك إلى تعزيز هيمنة المؤسسات الكبرى التي تملك القدرة على التكيّف مع الأنظمة الجديدة، بينما يُقصى الفاعلون الأصغر من دائرة الثقة المعلنة.  

من زاوية أخرى، يلفت باحثون في الإعلام الانتباه إلى أن أزمة الثقة ليست فقط أزمة «عرض» إعلامي، بل أيضاً أزمة «طلب» وثقافة نقدية. فحتى لو حصلت بعض الوسائل على علامة جودة، لن يختفي تلقائياً الجمهور الذي يفضّل المنصات الشعبوية أو المواقع المؤامراتية التي تؤكد تحيّزاته المسبقة. هنا يبرز اتجاه بديل يدعو إلى الاستثمار في التربية الإعلامية، منذ المدرسة وحتى فضاءات النقاش العمومي، لمنح الأفراد أدوات تفكيك الخطاب، وفهم آليات إنتاج الخبر، والتمييز بين تحقيق معمّق وعنوان صيد نقرات، وبين تحليل رصين وفيديو تحريضي.  

بهذا المعنى، يتحول السؤال من «من يملك الحق في منح صفة الإعلام الموثوق؟» إلى «كيف نمنح الجمهور القدرة على بناء حكمه الخاص؟». البعض يقترح حلاً وسطاً: بدلاً من وسم وسائل الإعلام ككل، يمكن تطوير إرشادات ومعايير شفافة تنشرها الهيئات المهنية، وتشجَّع الوسائل على الالتزام بها طوعاً، مع توضيح سياساتها التحريرية بشكل يسهل على القارئ تقييمها. هكذا تبقى المرجعية الأساسية هي التعددية والشفافية، لا التصنيف الصارم بين «موثوق» و«غير موثوق».  

يعكس الجدل حول «وسم الإعلام الموثوق» صراعاً أعمق حول مستقبل الفضاء العام في الديمقراطيات المعاصرة. فبين من يراهن على تنظيم أشد لمواجهة الفوضى الرقمية، ومن يخشى أن ينقلب التنظيم إلى باب خلفي للحد من حرية الصحافة، تسير النقاشات على خيط رفيع. ما يبدو اليوم محاولة لطمأنة الجمهور قد يتحوّل غداً، إن أسيء استخدامه، إلى أداة لتأطير السرديات وتضييق هامش الاختلاف. لذلك، يبدو أن أي خطوة في هذا الاتجاه لن تكون مقنعة إلا إذا رافقها ضمانان أساسيان: استقلالية حقيقية عن السلطة السياسية والاقتصادية، وإصرار لا يتزحزح على اعتبار تعدد الأصوات شرطاً، لا خطراً، على صحة الحياة الديمقراطية.