تسريح 300 صحفي يهز واشنطن بوست والصحافة الأميركية

نشر بتاريخ 02/07/2026
عبر Méta-media

تشهد الصحافة الأميركية هزة عميقة بعد قرار واشنطن بوست تسريح 300 من أصل نحو 800 صحفي في اجتماع افتراضي، خطوة وصفت بأنها من أكثر الأيام قتامة في تاريخ المؤسسة، بحسب محررها العام السابق مارتن بارون كما نقلت صحيفة الغارديان.  خلال الأعوام الثلاثة الماضية فقدت الصحيفة أيضاً نحو 400 موظفاً، في مؤشر على تدهور تدريجي يطال غرف الأخبار المحلية والدولية، قسم الرياضة والكتب، وحتى بودكاستها البارز.

ويبرز ضمن الأسماء المسرّحة الصحفي المخضرم مارتن ويل، أحد شهود مرحلة ووترغيت، وفق تقرير نيويورك تايمز.  كما تلقت مراسلة الصحيفة في كييف ليزي جونسون خبر إنهاء عقدها أثناء تغطية ميدانية للحرب. أمام المقر في واشنطن، احتج الصحفيون المسرّحون تحت شعار “الديمقراطية تموت بلا صحفيين” كما وثّق موقع WTOP.  بينما بقي مالك الصحيفة جيف بيزوس صامتاً على نحو لافت، في وقت تتصاعد خسائر المؤسسة إلى نحو 100 مليون دولار في 2024، ويتراجع الأداء في محركات البحث بشكل ملحوظ خلال ثلاث سنوات وفق بيانات منشورة على منصة X من براين ستيلتر.



تتعدد روايات تفسير ما جرى. الصحفية كاثرين بويل ترى أن واشنطن بوست ابتعدت عن مهمتها الأصلية في تغطية السياسة من موقعها الفريد في العاصمة، وتشتتت في مجالات لا تمنحها ميزة تنافسية، لتخسر الرياضة لصالح ذا أتلانتك والدولي لصالح التايمز، كما كتبت على منصة X. هذا الاتساع غير المنظّم أضعف هوية العلامة التحريرية التي تجذب وتثبّت الاشتراكات. على المنوال نفسه، يصف إيمانويل بارودي المشهد بـ“القوقعة الفارغة” مع تكديس محتوى بلا تموضع واضح، مستعيداً تشبيه توماس كارولاك على لينكدإن. ويضيف سيمون أوينز، في تحليل على لينكدإن، أن النظر إلى مؤسسة إعلامية بوصفها مجرد قناة توزيع محتوى يغيّب حقيقة أن المحتوى يعيش داخل علامة وثقة ومجتمع قرّاء، وأن تقويض صفحة الرأي خشية إغضاب الجمهوريين أو تسريح مئات الصحفيين يضرب العلامة في الصميم.

الطفرة التاريخية لاشتراكات واشنطن بوست تزامنت مع موقف تحريري واضح ضد إساءة استخدام السلطة في البيت الأبيض، ومع شعار “الديمقراطية تموت في الظلام” الذي اجتذب دعماً واسعاً من قرّاء ليبراليين، كما يذكّر الصحفي ديريك تومبسون على منصة X. وفق بارون، فإن التراجع عن دعم كامالا هاريس فُهم كقرار بلا شجاعة كلّف الصحيفة أكثر من 250 ألف مشترك. ويذهب منتقدون إلى أن مساعي بيزوس لاسترضاء الرئيس ترامب لطخت سمعة المؤسسة بسرعة وبشكل ذاتي. في هذا السياق، لا تبدو الأزمة تحريرية فحسب؛ إنها أزمة علامة وتجربة قارئ ونموذج أعمال يتآكل مع خسائر مالية وتراجع الثقة.

مع ذلك، يلوح مسار بديل خارج المؤسسات الكبرى. عدد من “خريجي” واشنطن بوست يتجهون إلى النشرات البريدية والمنصات المستقلة؛ يحتفظ جاك شافر بقائمة للصحفيين المنتقلين إلى سوبستاك على منصة X، من بينهم تاتوم هنتر المتخصصة في ثقافة الإنترنت.

وقد أعلن مؤسس Beehiv تايلر دينك على لينكدإن عن عام إطلاق مجاني لدعم المتأثرين بالتسريحات. وفي مجال الأخبار المحلية، استقطبت شركة Local News International التي أسسها دايف يورغنسن خمسة من صحفيي واشنطن بوست السابقين، معلناً على بلوسكاي أنهم يبنون ما تعذّر بناؤه داخل المؤسسة. وإلى جانب هذا النزوح، يطرح بعض المراقبين نموذجاً مؤسسياً بديلاً: تحويل واشنطن بوست إلى منظمة غير ربحية بتمويل من جيف بيزوس مع استقلالية تشغيلية، كمسار يخفض تضارب المصالح ويوفر استدامة تشغيلية، وهو طُرح في تحليل مجلة نيويوركر حول علاقة بيزوس بالصحيفة.

تطرح هذه التحولات سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل الصحافة الأميركية ووظيفة الرقابة العامة: إذا استمر إفراغ المؤسسات العريقة من قوتها التحريرية، فستتآكل ليس فقط صناعة الصحافة، بل أيضاً جزء حيوي من يقظة الديمقراطية. ضمن هذا الفراغ، قد تشكّل المبادرات المستقلة والنشر المباشر عبر النشرات البريدية والمنصات الجديدة مساراً لحماية القيم الصحفية واستعادة علاقة ثقة مع جمهور يبحث عن تغطية محلية موثوقة ومساءلة حقيقية، خاصة في بلد تشير دراسات مدرسة مديل بجامعة نورثويسترن إلى أن نحو 50 مليون شخص فيه يعانون محدودية الوصول إلى الأخبار المحلية.