أثار تقرير نشره موقع «نكست إنكت» حول استخدام النماذج التوليدية في «بريزما ميديا» نقاشا واسعاً حول حدود الأتمتة في غرف الأخبار وموقع الصحافيين في التحول الرقمي المتسارع. يشير المقال إلى أن ما يصل إلى 40٪ من المواد المنشورة و50٪ من «الصحافيين» داخل المجموعة يمكن أن يكونوا اليوم نتاجاً مباشراً لأدوات الذكاء الاصطناعي أو مسهماً فيها، في صياغة مقصودة لاختبار فهم القراء لطبيعة التحول وحدوده التقنية والتنظيمية.
يتتبع التقرير مسار المجموعة، أحد أبرز الفاعلين في الصحافة المجلاتية والرقمية في فرنسا، منذ استحواذ مجموعة «فانسان بولوريه» عليها في 2021، ويركز على اتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي في المقالات القصيرة، والمحتويات الخدمية، وتحسين الظهور في محركات البحث، وصياغة العناوين والملخصات. ويصف كاتب المقال كيف تم تدريب مئات الصحافيين على استخدام نماذج لغوية متقدمة لمساندة عملهم اليومي، بحيث أصبحت هذه النماذج جزءاً من سير العمل التحريري، لا مجرد أداة جانبية.
يستند التقرير إلى عرض داخلي قُدم في المجموعة، وإلى تصريحات لمسؤولين، ليوضح أن الاستخدام لم يعد مقتصراً على نصوص مساعدة، بل يشمل توليد مواد شبه مكتملة، يتدخل فيها المحررون في مراحل محدودة من التحرير والتحقق والمواءمة مع خط كل عنوان. ويعرض المقال مثالاً على ذلك في الأقسام الخدمية والاختيارات الاستهلاكية، حيث تسمح النماذج التوليدية بإنتاج عدد كبير من النصوص النمطية التي يُعاد ترتيبها وفقاً لاحتياجات المنصات المختلفة، بما في ذلك تغذية أنظمة الردود الآلية في محركات البحث والروبوتات الحوارية.
اقتصادياً، يذكّر التقرير بالضغط الذي يواجهه قطاع الصحافة في فرنسا: تراجع عائدات الإعلان التقليدي وتحول جزء من الجمهور إلى الشبكات الاجتماعية ومحركات البحث. هذا يدفع مؤسسات عدة إلى تجريب صيغ إنتاج أقل كلفة: تفويض النصوص القابلة للتكرار إلى الآلات، وحصر الجهد البشري في التحقيقات والحوارات والقصص ذات القيمة المضافة. غير أن الصياغة الحادة التي اختارها «نكست إنكت» – «صحافيون مولدون بالذكاء الاصطناعي» – تكشف عن التباس متعمد بين الأداة والمهنة، ويفتح سؤال تعريف «الصحافي» في بيئة هجينة يتقاسم فيها البشر والخوارزميات مراحل الإنتاج.
ينقل المقال ردود فعل من داخل المجموعة وخارجها: حرص على معايير التحقق يقابله قلق من أن تصبح الأدوات ذريعة لتقليص الوظائف أو تجميد التوظيف. ويستعيد التقرير شهادات تفيد بأن الأتمتة الواسعة قد تخلق فجوة بين خطاب «المرافقة» التقنية والممارسة التي تعيد توزيع المهام داخل غرف الأخبار من دون إعلان واضح.
في المقابل، تدافع الإدارة عن التوجه باعتباره ممارسة باتت شائعة دولياً لتحسين الإنتاجية ومواءمة المحتوى مع سلوك القراء، وتؤكد أن النصوص المولدة تُراجع بشرياً قبل النشر. لكن غياب معايير شفافية مشتركة يربك القارئ: يصعب تمييز ما أنتجه صحافي مما صاغته خوارزمية ورُوجع تحريرياً، خصوصاً في الأقسام الخدمية ذات الطابع النمطي ومن دون توقيعات واضحة.
ويتجاوز التقرير حالة «بريزما ميديا» ليضعها ضمن حركة أوسع في أوروبا وأمريكا الشمالية: مؤسسات كبرى تطلق عروضاً موجّهة للنماذج التوليدية، مثل خدمة «كونتنت فور إل إل إم» من ذراع الإعلانات في المجموعة لتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى يعزّز ظهور العلامات التجارية في إجاباتها.
بهذا المعنى، تبقى الأرقام مدخلاً لسؤال أوسع: ما موقع غرف الأخبار في منظومة رقمية تتوسطها الخوارزميات بين المؤسسات والجمهور، وبين الصحافة وسوق الإعلانات؟