Marc Andreessen يلفت الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل العمل على مستوى «المهمة» أكثر من مستوى «الوظيفة»، ويراهن على ظهور جيل جديد من العاملين الذين تتمثل مهنتهم الأساسية في توجيه النظم الذكية لبناء المنتجات بدلاً من إنجازها بأيديهم مباشرة.
يرى أندريسن أن النقاش الدائر حول «اختفاء الوظائف» يخطئ زاوية النظر، إذ يعتبر أن الوحدة الفعلية للعمل داخل أي مؤسسة ليست المسمى الوظيفي بل مجموعة المهام الدقيقة التي يتكوّن منها هذا المسمى. ويذهب إلى أن الذكاء الاصطناعي يتدخل أولاً على مستوى هذه المهام، فيستولي على بعضها، ويغيّر طبيعة بعضها الآخر، بينما تُعاد صياغة «الوظيفة» ككل عندما يصبح ما بداخلها من مهام مختلفاً في جوهره عن السابق. من هذا المنطلق، لا يتوقع بالضرورة «محو» شامل للوظائف، بل إعادة تركيب واسعة للبنى الوظيفية، حيث تختفي مهام روتينية وتتولد مهام جديدة تتعلق بالإشراف على الآلات الذكية والتنسيق بينها.
في مقابلة حديثة مع بودكاست متخصص في المنتج وإدارة الأعمال، قال أندريسن إن الوظيفة، كما اعتادت المؤسسات تعريفها، ليست سوى حزمة من المهام التي يمكن فكّها وإعادة توزيعها مع تغير الأدوات المتاحة. وأوضح أن العامل الذي يحمل اليوم لقب «مبرمج» أو «مصمم» أو «مدير منتج» قد يجد نفسه بعد عقد من الآن يمارس وظيفة عنوانها الأوسع «صانع منتجات» يعتمد بصورة أساسية على توجيه أنظمة الذكاء الاصطناعي متعددة القدرات لإنجاز مراحل التصميم والبرمجة والاختبار. في تصوره، ستتراجع أهمية المهارة اليدوية المباشرة لمصلحة مهارات أخرى، من بينها القدرة على توصيف المشكلات بدقة، وصياغة التعليمات للنظام الذكي، وتقييم المخرجات، وربطها باحتياجات السوق والعملاء.
هذه الرؤية تتقاطع مع مواقفه الأوسع المدافعة عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة ضرورية لموازنة نقص القوى العاملة في الاقتصادات المتقدمة، حيث يشير إلى أن التكنولوجيا تأتي، في رأيه، في توقيت حساس لت补 سد الفجوة الناجمة عن تباطؤ النمو الديموغرافي. في هذا الإطار، لا ينظر إلى الأتمتة بوصفها تهديداً مباشراً للعمالة البشرية بقدر ما يراها عاملاً لتعويض النقص المحتمل في عدد العاملين وتحرير الأفراد من المهام المتكررة ذات القيمة المضافة المحدودة. ويتوقع أن تصبح الخبرات البشرية النادرة أكثر قيمة في بيئات عمل تعتمد بكثافة على أدوات ذكية قادرة على تنفيذ العمليات التقنية الروتينية بسرعة وكلفة أقل.
أما على مستوى توزيع الأدوار داخل الشركات، فيتصور أندريسن أن التركيز سيتحول من الفرق الكبيرة التي تتقاسم مراحل الإنتاج إلى أفراد أو مجموعات صغيرة تمتلك القدرة على «إخراج» منتج كامل عبر إدارة منظومة من الوكلاء الذكيين. هنا تبرز الوظيفة التي أشار إليها في حديثه باعتبارها «مفتاحية» خلال السنوات العشر المقبلة، أي الشخص الذي يعرف كيف «يخبر» الذكاء الاصطناعي بما يجب أن يبنى وكيف، ويستطيع التبديل بين أدوار التحليل والتصميم واتخاذ القرار بناء على مخرجات النظم. هذه المهمة الجديدة تستدعي مزيجاً من الفهم التقني، والبصيرة الاقتصادية، والقدرة على التعبير الدقيق عن المتطلبات في شكل تعليمات قابلة للتنفيذ، وهي عناصر قد تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والآلة في بيئات العمل المعرفية.
انطلاقاً من هذا الطرح، تبدو المعضلة الأساسية في نظر أندريسن أقل ارتباطاً بعدد الوظائف المتاحة وأكثر تعلقاً بسرعة تأقلم القوى العاملة مع التحول من أداء المهام مباشرة إلى تصميمها والإشراف عليها. بالنسبة للصحافة والبحث والقطاعات الإبداعية، يفتح هذا التصور الباب أمام إعادة تعريف دور المهنيين كمحرّكين لمنظومات ذكية قادرة على جمع المعلومات ومعالجتها، فيما يحتفظ الإنسان بدور صياغة الزوايا التحريرية، والتحقق، واتخاذ القرارات التحريرية أو التجارية بناء على ما تنتجه تلك الأدوات. في ضوء هذه الفكرة، يطرح المستقبل القريب سؤالاً عملياً حول الكيفية التي ستُدرّب بها الأجيال الجديدة على مهارات «إدارة المهام الذكية» بقدر ما تتعلم المهارات التقليدية في كل مهنة.