أطلق عالم الذكاء الاصطناعي أندريه كارباتي مشروعا مفتوح المصدر يهدف إلى تقديم قراءة كمية لمستوى تعرض سوق العمل في الولايات المتحدة لموجة الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بالاستناد إلى بيانات رسمية عن المهن وحجم التوظيف وطبيعة ناتج العمل. يقوم المشروع على بناء تمثيل بصري تفاعلي لجميع الوظائف المصنفة لدى مكتب إحصاءات العمل الأميركي، مع إسناد درجة رقمية لكل مهنة تعكس هشاشتها أمام أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج مخرجات رقمية عن بعد.
استندت التجربة إلى تجميع بيانات ثلاثمئة واثنتين وأربعين وظيفة كما يعرّفها مكتب إحصاءات العمل، ثم تمرير أوصافها النصية إلى نموذج لغوي كبير مرفق بمصفوفة تقييم من صفر إلى عشرة، بحيث تمثل الصفر أدنى درجات التعرض للأتمتة والرقم عشرة أقصاها. توزَّع الوظائف داخل خريطة على شكل مخطط مساحي، حيث تعكس مساحة كل مستطيل عدد العاملين في تلك المهنة، بينما يوضَح مستوى التعرض عبر تدرج لوني يسمح برؤية سريعة لتجمعات المهن الأكثر عرضة للتغيير التكنولوجي.
يعتمد جوهر المنهجية على سؤال واحد حاسم هو مدى رقمية ناتج العمل وإمكان تنفيذ المهام بالكامل من مكتب منزلي باستخدام حاسوب واتصال بالإنترنت. كلما كان العمل رقميا صرفا، ويُنتج ملفات نصية أو برمجية أو تحليلية أو تصميمية يمكن نقلها على الشاشة، ارتفعت درجة التعرض في سلم التقييم. في المقابل، تنخفض الدرجات حين يرتبط العمل ببيئات مادية متغيرة أو بتعامل مباشر مستمر مع أجساد الأشخاص أو المعدات أو البنى التحتية، حيث تظل القدرة الحالية للأنظمة الذكية محدودة في محاكاة الحضور المادي والتدخل اليدوي.
أظهرت النتائج الأولية أن متوسط التعرض غير المرجح وزنيا يناهز خمس درجات فاصل ثلاثة من عشر على السلم العشري، بينما تشير قراءات أخرى إلى متوسط مرجح بنحو أربع درجات فاصل تسع، ما يعكس تباينا بين حساب عدد الوظائف وبين النظر إلى توزيعها على فئات الدخل. يميل التعرض إلى الارتفاع في شرائح المهنيين ذوي الرواتب الأعلى، إذ تذهب بعض التحليلات إلى أن أصحاب الدخول التي تفوق مئة ألف دولار سنويا يسجلون متوسط تعرض يقارب ست درجات فاصل سبعا، مع تركّز واضح في مهن المعرفة والقطاع المالي والقانوني والاستشاري.
يضع المشروع في الطرف الأدنى من السلم مهنا مثل عمال الأسقف وعمال النظافة وغيرهم من العاملين في وظائف يطغى عليها الجهد البدني والعمل في فضاءات متغيرة يصعب أتمتتها بالكامل في الأمد القريب. في المنطقة المتوسطة، بين أربع وخمس درجات، توجد وظائف مثل التمريض والتجزئة والطب، حيث يمتزج العمل السريري أو الميداني مع قسط معتبر من المهام المكتبية التي يمكن أن تدعمها الأنظمة الذكية دون أن تعوض دور العامل البشري تماما. أما في الطرف الأعلى، عند ثماني درجات فما فوق، فتتركز المهن البرمجية والتحليلية والقانونية والكتابية التي يمكن أن يُنجز جزء كبير من مهامها عبر أدوات توليد النصوص والبرمجيات والتحليلات الآلية.
تمنح التجربة الدرجة القصوى تقريبا لمهن مثل المبرمجين ومطوري البرمجيات ومحللي البيانات والمساعدين القانونيين، حيث يشير وصف المشروع إلى أن المراسلات والعقود والتقارير والتحليلات يمكن توليدها أو مراجعتها آليا بدرجات متفاوتة من الدقة. في المقابل، يظل عدد كبير من الوظائف ذات الطابع الخدمي أو الحرفي أو العلاجي المباشر خارج نطاق التعرض العالي، وإن كانت ستتأثر بأدوات مساندة في مجالات الجدولة والتوثيق وإدارة السجلات، ما يعيد تشكيل توزيع الوقت بين العمل المادي والعمل المكتبي داخل المهنة الواحدة.
يتيح مستودع المشروع على منصة البرمجيات المفتوحة إعادة تشغيل سلسلة الأدوات بالكامل، بدءا من جمع بيانات مكتب إحصاءات العمل، مرورا بتنظيف الأوصاف وإعدادها، ووصولا إلى تمريرها على نماذج لغوية وفق تعليمات قابلة للتعديل وتطويرها لاحقا. يتيح هذا التصميم أمام الباحثين والجهات الإعلامية والاقتصادية تحديث الدرجات مع تحسن قدرات النماذج، أو إعادة صياغة معيار التقييم نفسه لقياس معطيات أخرى مثل قابلية المهام للتفكيك أو إمكان نقلها إلى بلدان أخرى أو مستوى الحاجة إلى ترخيص مهني.
أثار انتشار الخريطة تفاعلات واسعة، لا سيما بعد تداول نسخ من الصورة التفاعلية على منصات اجتماعية ومواقع إعلامية ومنصات مهنية، قبل أن يعمد كارباتي إلى حذف النسخة الأصلية معتبرا أنها تجربة سريعة أسيء فهمها أكثر مما استُخدمت أداة بحثية قابلة للتطوير. مع ذلك استمرت إعادة استخدام الشيفرة والبيانات من جانب مطورين ومحللين مستقلين، ما جعل المشروع يتحول إلى نقطة انطلاق لمسار أوسع في قياس التعرض للذكاء الاصطناعي بوسائل كمية مرنة يمكن تكييفها مع أسواق عمل أخرى خارج الولايات المتحدة.