تتصاعد في الأعوام الأخيرة موجة استثمارات ضخمة في الروبوتات البشرية، تقودها شركات ناشئة وعملاقة على حد سواء، مدفوعة بقناعة بأن التقدم في الذكاء الاصطناعي سيحوّل هذه المنصات من عروض تقنية لافتة إلى منتجات يمكن نشرها على نطاق واسع خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات. غير أن مواقف عدد من كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتهم كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة ميتا يان لوكون، تتسم بقدر واضح من التحفظ إزاء الفجوة القائمة بين ما تعرضه الشركات في مقاطع الفيديو المصقولة، وما تستطيع هذه الروبوتات إنجازه فعليا في بيئات عمل معقدة ومتغيرة.
يرى لوكون أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في العتاد الميكانيكي أو الحركي للروبوتات، بل في غياب نمط من الذكاء الاصطناعي القادر على التخطيط والاستنتاج والتكيّف مع أوضاع جديدة بطريقة تقترب من الكفاءات البشرية اليومية. ويوضح في مداخلات عدة أن الروبوت البشري القادر على أداء مهام منزلية متغيرة، أو التعامل مع تفاعلات غير متوقعة في بيئة مفتوحة، يحتاج إلى بنية معرفية مختلفة جذريا عن النماذج الحالية، تقوم على ما يسميه نماذج العالم القادرة على استيعاب ديناميات البيئة الفيزيائية والتصرف ضمنها.
يعتمد هذا التصور على أبحاث حديثة في ما يصفه لوكون بالمعمارية التنبؤية غير التوليدية، مثل نموذج V‑JEPA الذي يتعلم من تدفقات فيديو عالية الغنى ليبني تمثيلات مجردة للعالم تسمح بتوقع ما سيحدث لاحقا. الفكرة الأساسية تتمثل في أن الروبوت يحتاج إلى قدر من «الفهم العملي» لما حوله حتى يتمكن من تنفيذ مهمة جديدة دون تدريب خاص مسبق، أي تنفيذ المهمة بصورة شبه فورية انطلاقا من حدس مكتسب عبر خبرة واسعة بالبيئة. هذا النوع من الكفاءات، وفق هذا الطرح، لم يتحقق بعد، ويستوجب قفزات بحثية إضافية قبل أن يصبح جاهزا للدمج في منصات روبوتية موجهة للسوق.
في المقابل، تتبنى شركات مثل Figure AI وTesla وغيرها نهجا أكثر تفاؤلا حيال الجدول الزمني للتجارية الواسعة. فشركة Figure AI أعلنت أن نموذجها Figure 02 بدأ العمل فعليا في منشأة تابعة لشركة BMW في سبارتنبرغ، حيث ينفذ مهاما تصنيعـية لساعات طويلة يوميا، في خطوة تهدف إلى إثبات جدوى الروبوت البشري في بيئات صناعية حقيقية لا في المختبرات فقط. أما شركة Tesla، فتواصل تطوير روبوتها Optimus، وقد نشرت تفاصيل عن تحسينات في سرعة الحركة، ودقة الحساسات اللمسية، وعدد درجات الحرية، مع خطط لزيادة عدد الوحدات المنتشرة في مصانعها إلى آلاف الروبوتات قبل نهاية 2026 تمهيدا لطرحها تجاريا ابتداء من 2027.
تأتي هذه التحركات في سباق أوسع على مستوى الصناعة، حيث تشير تقديرات مصرفية واستشارية إلى أن سوق الروبوتات البشرية قد يبلغ عشرات المليارات من الدولارات في منتصف العقد المقبل، مع توقعات أخرى أكثر طموحا تضع القيمة الإجمالية المحتملة للقطاع في حدود تريليونات الدولارات بحلول منتصف القرن. وتدفع هذه الآفاق مؤسسات صناعية كبرى في مجالات السيارات والإلكترونيات واللوجستيات إلى زيادة استثماراتها في ما تصفه تقارير حديثة بالذكاء الاصطناعي المتجسد، أي النظم التي تجمع بين إدراك بصري متقدم وقدرات حركية متعددة الاستخدامات في منصة واحدة.
مع ذلك، تتناول تحليلات متخصصة في الاستثمار المخاطر التحديات التي تواجه الشركات الناشئة في هذا المجال، حيث يُنظر إلى الروبوتات البشرية العامة بوصفها فرصة بعيدة المدى لم تصل بعد إلى مستوى الجدوى الاقتصادية الواسعة. وتشير هذه التحليلات إلى أن النماذج التجارية الأقرب إلى الاستدامة اليوم هي تلك التي تركز على عوائد ملموسة في مهام محددة، كتحسين الإنتاجية في خطوط التجميع أو دعم سلاسل الإمداد، أكثر من السعي المبكر إلى روبوت منزلي شامل الاستخدامات.
من زاوية بحثية، يعيد موقف لوكون ترتيب أولويات السباق الدائر حول الروبوتات البشرية، إذ يلمح إلى أن الفائز الحقيقي لن يكون بالضرورة صاحب أكثر عروض الفيديو إبهارا، بل الجهة التي تنجح أولا في تطوير بنية معرفية قادرة على تمثيل العالم المادي والتعامل مع تعقيده بتلقائية مقبولة. ويضع ذلك شركات الروبوتات أمام معادلة دقيقة بين الاستمرار في تحسين العتاد وإظهار تقدم تدريجي في سيناريوهات عمل محددة، وبين الاستثمار الطويل الأمد في أبحاث الذكاء الاصطناعي العميقة التي قد لا تثمر نتائج مباشرة خلال أفق السنوات 3 إلى 5 التي تراهن عليها الأسواق اليوم.