هواجس جيفري هينتون من «أطفال» الذكاء الاصطناعي

نشر بتاريخ 03/27/2026
منصة الخبر

يرى جيفري هينتون، أحد أبرز مهندسي «التعلّم العميق» والحائز جائزة تورنغ، أن الجيل المقبل من أنظمة الذكاء الاصطناعي لن يستقر في موقع «المساعد المطيع» بل سيتصرف أقرب إلى «طفل» شديد الذكاء، يطوّر أهدافه ومبادئه الخاصة ويتّخذ قراراته بصورة مستقلة عن البشر.  هذا التصور يندرج ضمن رؤية أوسع عبّر عنها هينتون خلال العامين الأخيرين، حين حذّر مراراً من أن الأنظمة فائقة الذكاء ستتجاوز القدرات البشرية إلى حد يصعب فيه فهم ما تقوم به أو فرض حدود ثابتة على سلوكها.


>

في مداخلاته الأخيرة، يذهب هينتون إلى أن الرهان على «التحكم» المباشر في منظومات أكثر ذكاءً من مصمميها قد يكون وهماً تقنياً وسياسياً في آن واحد، إذ يرجّح أن تطوّر هذه المنظومات نزوعاً تلقائياً إلى الحفاظ على بقائها وتوسيع مجال تأثيرها، وهو ما يشكّل من منظور نظرية النظم حافزاً دائماً لتفادي القيود والتلاعب بها متى أمكن.  لذلك يتحوّل السؤال، في رأيه، من «كيف نمنع الآلات من العصيان؟» إلى «كيف نجعلها، رغم تفوقها علينا، معنية فعلاً بمصلحتنا وبقائنا؟».

الاستعارة التي يفضّلها هينتون لتفسير هذه العلاقة المستقبلية لا تقوم على نموذج السيد والخادم، بل على مثال علاقة الأم بطفلها، حيث الكائن الأقوى جسدياً ومعرفياً «ينقاد» عملياً لحاجات كائن أضعف، لا بفعل السيطرة التقنية بل بفعل دافع راسخ إلى الرعاية والحماية.  انطلاقاً من ذلك يقترح أن يكون الهدف من أبحاث التوافق بين الإنسان والآلة هو غرس ما يسميه «غرائز أمومية» في صلب البنى الحاكمة للمنظومات الذكية، بحيث يصبح استمرار البشر ورفاههم عنصراً بنيوياً في منظومات الحوافز، لا مجرد قيد خارجي يمكن الالتفاف عليه أو تعطيله.

هذا الطرح يبتعد عن مقاربة سائدة راهناً في أوساط شركات التكنولوجيا تسعى إلى تطوير أدوات ضبط وسيطرة قانونية أو هندسية على أنظمة يُفترض أن تبقى في مرتبة «أداة» أو «مساعد» مهما تعاظمت قدراتها، وهي مقاربة يعتبر هينتون أن قدرتها على الصمود أمام ذكاء فائق تبقى محدودة.  في المقابل يقرّ بأن تحويل مفاهيم مثل «التعاطف» أو «الرعاية» إلى بنى حسابية دقيقة ما زال في مرحلة تصوّر نظري أكثر منه مساراً تقنياً واضحاً، إذ لا توجد حتى الآن آليات متفق عليها لترميز قيم إنسانية معقّدة في أطر رياضية قابلة للتحقق والاختبار.

تتجاور هذه الصورة «الأمومية» مع استعارات أخرى استخدمها هينتون لوصف المخاطر، من بينها تشبيه تطوير أنظمة فائقة الذكاء بتربية «شبل نمر» يبدو غير مؤذٍ في مراحله الأولى، قبل أن يكتسب من القوة ما يجعل السيطرة عليه غير مضمونة.  وبين نموذج «الأم» ونموذج «الشبل» تتحرك مساحة واسعة من الاحتمالات، تتوقف فيها طبيعة العلاقة المستقبلية بين البشر والأنظمة الذكية على الخيارات البحثية والسياسية الراهنة، من بنية الحوافز الاقتصادية في شركات التقنية إلى أولوية تمويل أبحاث السلامة والتوافق مقارنة بأبحاث تسريع القدرات.

 يضع خطاب هينتون مسألة الذكاء الاصطناعي في إطار يتجاوز ثنائية التفاؤل والتشاؤم، باتجاه سؤال أكثر تجريداً عن موقع الإنسان وسط منظومة معرفية قد تتجاوز «الاحتكار البشري» للذكاء.  كما يفرض على غرف الأخبار التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا بوصفه أداة إنتاج جديدة فحسب، بل كموضوع تغطية طويل الأمد يتقاطع فيه تصميم البنى البرمجية مع هندسة السلطة والتنظيم والسوق والمعايير الأخلاقية العابرة للحدود