تتجه دبي خلال الأعوام الأخيرة إلى اعتماد حزمة متكاملة من التقنيات المتقدمة في مجال مكافحة الحرائق، تشمل روبوتات أرضية ذات قدرة ضخ عالية، وطائرات مسيّرة مخصصة للأبراج العالية، ومنظومات استشعار وتحليل بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ضمن استراتيجية أوسع لتقليص تعرض عناصر الدفاع المدني للمخاطر الميدانية المباشرة في البيئات الصناعية والعمرانية المعقدة. ويُنظر إلى هذه المنظومات بوصفها مكملة للفرق البشرية التي تبقى في موقع القيادة والتنسيق واتخاذ القرار، بينما تتولى الآلات المهام الأكثر خطورة من حيث الحرارة والغازات السامة واحتمالات الانهيار البنيوي داخل مواقع الحريق.
في مقدمة هذه الابتكارات يبرز الروبوت الميداني الذي كشفت عنه إدارة الدفاع المدني في دبي خلال معرض الأمن والسلامة «إنترسيك 2026»، وهو نظام إطفاء متنقل عالي القدرة قادر على ضخ نحو 40 لتراً من الماء في الثانية، أي ما يقارب 2400 لتر في الدقيقة، مع مدى يصل إلى حوالي 60 متراً، ما يسمح بالتعامل مع الحرائق في المستودعات والمصانع والأبراج من مسافة تعتبر آمنة نسبياً للعناصر البشرية. ويستند هذا الروبوت إلى بطارية مقاومة للحرارة والماء ومنظومة تبريد ذاتية تتيح استمرار التشغيل تحت درجات حرارة مرتفعة، إلى جانب قدرة ميكانيكية على تحمّل ضغط خراطيم يصل إلى 8 بار وقوة سحب تقارب 200 كيلوغرام، الأمر الذي يساعد على تثبيت الخراطيم والحفاظ على استقرار المنظومة أثناء ضخ كميات كبيرة من المياه.
بموازاة المنصة المجنزرة الثقيلة ظهرت نماذج أخرى ذات تصميم أقرب إلى «كلاب روبوتية» مخصصة للعمل في البيئات الحضرية المعقدة مثل الأبراج العالية والأنفاق والمصانع، حيث تحمل مدافع مياه عالية الضغط على هيكل مرن يمكنه دخول مناطق ضيقة أو ذات تهوية محدودة مع إبقاء المشغلين على مسافة آمنة من بؤرة الحريق. وتستفيد هذه الوحدات من أنظمة تحكم عن بعد واتصال لاسلكي يربطها مباشرة بغرف العمليات، ما يتيح إعادة توجيهها استناداً إلى الصور الحية وبيانات الحرارة الصادرة عن المستشعرات المدمجة، بالإضافة إلى إمكانية تشغيلها لساعات تصل إلى نحو 3 ساعات متواصلة بحسب الاستخدام.
على مستوى الطائرات المسيّرة، طورت دبي منظومة «شاهين» المخصصة للتعامل مع حرائق الأبراج العالية، وهي طائرات قادرة على حمل حمولات من الماء والرغوة تصل إلى نحو 1000 إلى 1200 لتر، والتحليق حتى ارتفاع يقارب 200 متر بما يعادل نحو 35 طابقاً، مع إمكانية رش الماء أو مواد الإطفاء من مسافة تصل إلى حوالي 25 متراً من موقع النيران. وقد جرى اختبار هذه المنظومة عملياً في حريق وقع بأحد مباني منطقة البرشاء، حيث ساعدت الطائرات على توجيه الماء والرغوة مباشرة نحو الطوابق العليا التي يصعب الوصول إليها باستخدام السلالم التقليدية أو السيارات المجهزة فقط بسلالم هيدروليكية.
تستند هذه المنظومات الجوية والأرضية إلى طبقة رقمية أوسع قيد التطوير في الإمارات، تقوم على دمج البيانات التاريخية للحوادث مع معلومات حول الطقس وأنماط إشغال المباني، من أجل رسم خرائط للمخاطر المحتملة وتحديد النقاط الأكثر عرضة لاندلاع الحرائق في المدن ذات الكثافة العمرانية العالية. كما يجري توسيع استخدام الحساسات الذكية لرصد الدخان ودرجات الحرارة والمواد الكيميائية في الزمن الحقيقي داخل الأبراج والمجمعات والمرافق الصناعية، بحيث تنقل هذه البيانات إلى غرف التحكم المركزية، ما يسهم في الإنذار المبكر وتفعيل أنظمة الإطفاء الآلية قبل وصول الفرق الميدانية، ويمنح قادة العمليات صورة رقمية محدثة عن وضع المبنى ومصادر الخطر لحظة وقوع الحريق.