يستعيد الروبوت البشري البصري «أوريجن إف1» الذي تطوره شركة AheadForm إطلالة جديدة لافتة، أقرب ما تكون إلى ملامح ممثلة تجلس أمام فنانة تجميل قبل صعودها إلى منصة تصوير، في تجربة تكرّس جيلاً مختلفاً من الوجوه الروبوتية فائقة المحاكاة لملامح البشر. هذا النموذج، الذي انتشرت مقاطع له على منصات الفيديو والشبكات الاجتماعية، بدا لدى كثيرين وكأنه إنسان حقيقي يتلقى لمسات المكياج، لولا الإشارة الصريحة في التعليقات إلى كونه «روبوتاً بيونيّاً» يحمل تسمية Origin F1. ويعكس المشهد مزيجاً من الدقة التقنية في تصنيع الجلد الاصطناعي وحركة العضلات الميكانيكية الدقيقة، ما يمنح الوجه قدرة على استقبال الألوان والظلال، ثم «التعبير» بها على نحو يتقاطع مع خبرة محترفي التجميل البشريين.
تُقدَّم AheadForm نفسها كشركة ناشئة متخصصة في تطوير رؤوس روبوتية إنسانية بالدرجة الأولى، مع تركيز واضح على جعلهــا منصّة لتجسيد الذكاء الاصطناعي في شكل مادي قادر على التفاعل وجهاً لوجه، لا مجرد نظام برمجي خلف شاشة. وتوضح المواد التعريفية أن الشركة تأسست عام 2024، وتعمل تحت الاسم التجاري Shouxing Technology (Shanghai) Co., Ltd، مع توجه بحثي نحو «الروبوتات الاجتماعية» التي تلتقط الإيماءات ونبرات الصوت وملامح الوجه البشرية، ثم تبني عليها استجابة آنية عبر نماذج لغوية وبصرية متقدمة. هذا التركيز على الرأس والوجه، بعيداً عن الأجسام الكاملة القادرة على الحركة في البيئات الصناعية، يضع المشروع في خانة مختلفة داخل مشهد الروبوتات البشرية، أقرب إلى مختبر تفاعل إنساني–آلي منه إلى منصة للأذرع الميكانيكية أو مهام الرفع والنقل.
الملمح الأبرز في «أوريجن إف1» يتمثل في ما تصفه الشركة والمصادر التقنية بـ«الجلد الاصطناعي المتعدد الطبقات»، المصنوع من سيليكون معالج أو مواد حرارية طبية مرنة، فوق طبقة إسفنجية مطواعة تخفي الحواف الميكانيكية وتسمح بحركة انسيابية للسطح الخارجي. داخل هذا الوجه، تعمل شبكة من المحركات الدقيقة ذات درجات حرية عالية لتوليد طيف واسع من الحركات الدقيقة، من الارتعاش الطفيف لزوايا الفم إلى تغيّر توتر الجفن ونظرة العين، بما يقارب ما يُعرف في علم النفس التعبيري بـ«الانفعالات الصغرى» التي تمر على الوجه في أجزاء من الثانية. ومع وضع طبقات المكياج، من أحمر الشفاه إلى ظلال الجفون، تتولى هذه البنية الميكانيكية نقل الألوان من سطح جامد إلى وجه يبدو مستجيباً لمشاعر افتراضية، مثل الدهشة أو التأمل أو الانشغال.
تستند قدرات التعبير هذه إلى منظومة ذكاء اصطناعي متعددة الوسائط، تجمع بين نماذج لغوية كبرى وأخرى بصرية وصوتية، بما يسمح للروبوت باستقبال الصورة والصوت والنص في اللحظة نفسها، ثم إنتاج استجابة لفظية وتعبيرية متسقة زمنياً. وتوضح عروض AheadForm أن «أوريجن إف1» يُربط بنموذج يشار إليه باسم Omni AI، قادر على تحليل وضعية الرأس، واتجاه النظرة، وتعابير المتلقي، ثم تعديل نبرة الصوت وحركة الشفاه وتعبير العين خلال التفاعل ذاته. بهذه المقاربة، يصير الوجه الروبوتي منصة لإظهار «جسد» للذكاء الاصطناعي، حيث تتطابق حركة الشفاه مع الكلام، ويتحول طرف العين أو الميل الخفيف للرأس إلى إشارة موازية للمحتوى المنطوق.
العنصر الذي أثار اهتماماً واسعاً في النسخة الجديدة هو ما تسميه الشركة «جلود الشخصيات»؛ وهي أغطية وجه قابلة للتبديل تحول البنية الداخلية نفسها إلى وجوه مختلفة في الملامح والسن والنمط الجمالي، مع احتفاظها بالبنية الحركية ذاتها تحت السطح. هذه الفكرة تفتح المجال أمام صناعة محتوى جديدة، حيث يمكن لمقدم برامج افتراضي أو شخصية رقمية أن تنتقل من العالم الافتراضي إلى هيئة مادية أمام الكاميرا أو الجمهور، من دون الحاجة إلى ممثل بشري. كما تمنح شركات الترفيه، أو التعليم، أو الرعاية الصحية النفسية فرصة لاختيار «هوية بصرية» تناسب جمهورها، ثم ربطها بمنصة ذكاء اصطناعي قادرة على فهم الأسئلة والإيماءات والرد عليها في الوقت الحقيقي.
مع ذلك، يكشف انتشار مقاطع «أوريجن إف1» أن رد الفعل العام oscillates بين الانبهار والارتباك، إذ يشير كثير من التعليقات إلى صعوبة التمييز بين الوجه الروبوتي والإنسان الحقيقي عند مشاهدة اللقطات للمرة الأولى. هذا الانطباع يعيد إلى الواجهة نقاشات «الوادي المريب» في تصميم الوجوه الاصطناعية، حيث يؤدي الاقتراب الشديد من الملامح البشرية إلى شعور بالتوجس لدى بعض المتلقين، بينما يراه آخرون خطوة ضرورية لتحسين جودة التفاعل في الروبوتات الاجتماعية والرفاق الافتراضيين. وبين هذين الاتجاهين، يواصل المشروع توسيع تجاربه أمام الكاميرا، في الغناء، وتقمص الشخصيات، واستقبال المكياج، بوصفها حقول اختبار لمدى قدرة البشر على التعامل مع وجود «وجه غير بشري» يتصرف وفق قواعد المظهر الإنساني المألوف.