شهد ترتيب المغرب في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026 الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود» تحسناً عددياً، حيث حل في المرتبة 105 عالمياً بعد أن كان في مرتبة أدنى خلال السنوات السابقة، وفق ما أورده تقرير جديد صادر عن المنظمة. ويعكس هذا التقدم المحدود انتقال المغرب إلى شريحة دول تقع في منتصف الترتيب العالمي، بعيداً عن الدول التي تسجل أدنى المؤشرات، مع استمرار الفجوة بين تطور بعض الأطر القانونية والتوترات المتكررة في الواقع العملي للممارسة الصحفية.
يعتمد التصنيف السنوي الذي تعده «مراسلون بلا حدود» على منهجية تجمع بين مؤشرات كمية ونوعية تشمل سلامة الصحفيين، واستقلالية وسائل الإعلام، والبيئة القانونية، والتعددية، إضافة إلى جودة الإطار التنظيمي وحجم الضغوط السياسية والاقتصادية. ويحسب مؤشر كل دولة على أساس استبيانات موجهة لخبراء وصحفيين، إضافة إلى رصد حالات الانتهاكات، ما يجعل أي تحسن في الدرجة أو الترتيب نتيجة توازن بين عوامل متشابكة لا يختزلها رقم واحد. ولذلك فإن تقدم المغرب في جدول 2026 لا يعني غياب الانتهاكات أو إرساء نموذج مستقر بقدر ما يشير إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات مقارنة بدول المنطقة أو بسنوات سابقة.
تشير المعطيات المنشورة إلى أن الصورة الميدانية تظل غير متجانسة، مع وجود هوامش للعمل الصحفي في مجالات معينة، مقابل استمرار حساسيات واضحة في التناول الإعلامي لملفات سياسية أو حقوقية أو أمنية. كما يلفت التقرير إلى تباين بين تنامي حضور صحافة رقمية وشبكات اجتماعية كمنصات للنشر والتعبير، وبين استمرار قضايا المتابعة القضائية أو التضييق الإداري في حالات محددة، ما يطرح سؤال حدود التحسن الفعلي في البيئة العامة لحرية الصحافة. ويتيح هذا التباين قراءة مزدوجة: تقدم جزئي في بعض الآليات، مقابل استمرار عناصر احتكاك تمس الثقة بين الفاعلين الإعلاميين والمؤسسات الرسمية.
يأتي ترتيب المغرب في موقع متوسط إذا ما قورن بعدد من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط التي ما زالت تسجل مراتب أدنى في المؤشر ذاته، مع وجود استثناءات في بعض الدول التي حققت قفزات أوسع خلال السنوات الأخيرة. ويضع هذا المستوى المغرب في خانة الدول التي لا تنتمي إلى طليعة الضمانات المؤسساتية لحرية الصحافة، لكنها لا تصنف أيضاً ضمن البيئات الأشد انغلاقاً، وهو ما يفتح المجال أمام مقارنات إقليمية تستعملها السلطات أحياناً لإبراز جانب التقدم النسبي، وفي المقابل تستند إليها منظمات حقوقية ومهنية للمطالبة بإصلاحات أعمق. ويتيح هذا الموقع الوسيط قراءة دينامية لمسار حرية الصحافة في البلاد، باعتباره مجالاً مفتوحاً للتجاذب بين إرادة التحديث وضوابط أمنية وسياسية قائمة.
في مستوى البنية الإعلامية، تفيد المعطيات بأن المشهد المغربي يجمع بين وسائل تقليدية تخضع لإطار ترخيص ورقابة، وفضاء رقمي أكثر مرونة يستقطب فئات واسعة من الجمهور، مع تفاوت كبير في معايير المهنية والجودة. كما يلاحظ أن عدداً من المنابر الإلكترونية بات يؤدي أدواراً شبيهة بالصحافة الاستقصائية والرأي النقدي، في ظل انتقال جزء من الجمهور إلى استهلاك الأخبار عبر المنصات الرقمية. هذا التحول يفرض تحديات جديدة تتعلق بمدى قدرة التشريعات على موازنة حماية حرية التعبير من جهة، وضبط الممارسات المخالفة لأخلاقيات المهنة أو القوانين الجنائية من جهة أخرى، بما لا يتحول إلى أداة لتقييد المجال الإعلامي.
على المستوى القانوني، يستند تقييم «مراسلون بلا حدود» إلى نصوص وتشريعات من بينها قانون الصحافة والنشر والقوانين ذات الصلة التي تنظم العقوبات وتحدد مسؤولية المؤسسات الإعلامية والصحفيين. ويسجل في هذا الإطار أن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر لم يمنع استمرار محاكمات لصحفيين بناء على قوانين أخرى أو على خلفية ملفات لا تصنف رسمياً كقضايا صحافة، الأمر الذي يثير نقاشاً حقوقياً وقانونياً واسعاً حول الحدود الفعلية لحياد القضاء عن مضمون العمل الإعلامي. كما يطرح هذا الواقع تساؤلات لدى الفاعلين المهنيين بشأن الحاجة إلى مراجعات تشريعية أو تفسيرات قضائية أكثر اتساقاً مع الالتزامات الدولية في مجال حماية حرية التعبير.
يرتبط جانب آخر من تقييم الوضع بالظروف الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، حيث يعاني جزء من الصحف الورقية والمواقع الإخبارية من صعوبات مالية تؤثر في استمراريتها واستقلاليتها التحريرية. وتفتح هذه الهشاشة الباب أمام أشكال محتملة من التأثير غير المباشر، سواء عبر الإشهار أو الدعم العمومي أو العلاقات مع فاعلين اقتصاديين، في الوقت الذي تتطلب فيه حرية الصحافة بيئة مالية تتيح تعددية فعلية في الأصوات والاتجاهات. كما أن انتقال الجمهور نحو المنصات الرقمية العالمية ينعكس على توزيع الموارد الإعلانية، ما يدفع عدداً من الفاعلين إلى إعادة هيكلة نماذج أعمالهم في اتجاه اشتراكات أو شراكات أو محتويات مدفوعة، مع ما يترتب على ذلك من تحديات مهنية وأخلاقية.