افتتحت جامعة موسكو الحكومية كلية جديدة للذكاء الاصطناعي، تتولى فيها كاترينا تيخونوفا، الابنة الصغرى للرئيس فلاديمير بوتين، الدور المحوري في توجيه المشروع العلمي والبحثي لهذه المؤسسة الناشئة داخل واحدة من أقدم الجامعات الروسية. وتعود فكرة إنشاء هذا الكيان إلى عام 2025 حين جرى الإعلان عن هيكل يجمع المختبرات العاملة في مجالات الخوارزميات المتقدمة والحوسبة عالية الأداء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، قبل أن يُعاد تنظيمه اليوم ككلية مستقلة تستقبل أول دفعة من طلاب الإجازة والماجستير في السنة الجامعية المقبلة.
تُعرِّف الجامعة الكلية الجديدة بوصفها منصة لتكوين باحثين قادرين على ابتكار نماذج وهياكل جديدة في الذكاء الاصطناعي، مع ربط الجانب النظري بمشاريع تطبيقية طويلة الأمد في قطاعات متعددة، من الاقتصاد إلى الأمن. وقد حُدد عدد المقاعد في الدفعة الأولى بـ 36 طالباً في مرحلة الإجازة، بينهم 20 مقعداً ممولاً من الدولة، و36 طالباً في الماجستير، مع 20 مقعداً مدعوماً أيضاً من الميزانية العامة، في حين قُدِّرت كلفة الدراسة السنوية بنحو 500 000 روبل، أي ما يقارب 5 800 يورو، ما يجعل الالتحاق بهذه البرامج محصوراً بفئة قادرة على تحمّل أعباء مالية مرتفعة نسبياً في السوق التعليمية الروسية.
على المستوى الإداري، تحمل الكلية اسماً رسمياً لمديرها هو إيفان أوسيليديتس، الأستاذ في أكاديمية العلوم الروسية، غير أن التقارير المتطابقة الصادرة عن وسائل إعلام روسية مستقلة ودولية تشير إلى أن تيخونوفا تشرف عملياً على توجيه مشاريع البحث داخل الكلية، مستندة إلى موقعها في مجلس الجامعة وخبرتها في إدارة هياكل سابقة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فقد تولت منذ عام 2020 رئاسة معهد الذكاء الاصطناعي في الجامعة، الذي جرى دمجه الآن ضمن الكلية الجديدة، كما أدارت مؤسسة «إينوبرَكتيكا» المعنية بتمويل الأبحاث في هذا المجال، ما يمنحها شبكة علاقات علمية ومالية تستخدمها لدعم برامج الكلية.
يحظى مشروع الكلية بدعم مالي من رجال أعمال بارزين، في مقدمهم الملياردير أوليغ ديريباسكا، مؤسس مجموعة «روسال» للألمنيوم، إلى جانب مساهمات من مؤسسات مالية بينها بنك «في تي بي»، وهو ما يعكس تلاقي مصالح النخب الاقتصادية مع التوجه الرسمي نحو تعزيز القدرات الوطنية في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفق ما نقلته منصات روسية متخصصة، شارك ديريباسكا شخصياً في الفعاليات التي أعلنت خلالها الجامعة فتح باب التسجيل، ما يوحي بأن الكلية تُقدَّم أيضاً كخزان للكوادر التي قد تنخرط لاحقاً في مشاريع صناعية وتكنولوجية ذات قيمة مضافة عالية.
يرتكز المشروع العلمي للكلية حول تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تُدرّب على حاسوب فائق يعرف باسم «MGU‑270»، أنجز عام 2023 ويُعد من أهم البنى التحتية الحاسوبية في البلاد، مع فرض قيود مشددة على إمكان الوصول إليه حتى من قبل المتخصصين داخل مركز الحوسبة العلمية في الجامعة. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع تقني يعكس اعتماد روسيا على سلاسل توريد خارجية، إذ يعمل الحاسوب استناداً إلى معالجات رسومية تابعة لشركة Nvidia الأمريكية، يتم الحصول عليها عبر شركات صينية، وتسلَّم إلى الجامعة تحت علامة تجارية وهمية تحمل اسم «Solar Peak» بهدف الالتفاف على العقوبات الغربية.
كما يجري بحث إنشاء مختبرات مشتركة بين الكلية وجامعة روسية صينية في مدينة شينزين تعرف باسم «MGU‑BIT»، ما يعزز توجهاً أوضح نحو تعميق الشراكة التقنية مع الصين في مجالات تطوير الخوارزميات والبنى التحتية للحوسبة الفائقة. وتؤكد هذه الخطوات أن الكلية الجديدة لا تُعد مجرد إضافة أكاديمية داخل جامعة موسكو، بل حلقة في استراتيجية أوسع تسعى من خلالها السلطات الروسية إلى بلورة نواة لمنظومة ذكاء اصطناعي وطنية، تتقاطع فيها اعتبارات التكوين العلمي، وحسابات التمويل الخاص، ودور شخصيات من الدائرة القريبة من الرئيس في إدارة ملفات التكنولوجيا المتقدمة داخل بلد يواجه قيوداً متزايدة على وصوله إلى المكونات الغربية المتطورة.