أثارت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي جدلاً غير مسبوق بشأن مدينتَي سبتة ومليلية، حين وصفتهما في تقرير تفسيري مرافق لمشروع قانون ميزانية الأمن القومي ووزارة الخارجية بأنهما "مدينتان تحت الإدارة الإسبانية تقعان على أراضٍ مغربية" ، داعيةً وزير الخارجية ماركو روبيو إلى تشجيع مباحثات دبلوماسية بين الرباط ومدريد حول "الوضع المستقبلي" للمدينتين.
صياغة تُعيد تعريف الوضع القانوني
جاءت هذه الصياغة في الصفحة الثامنة والثمانين من التقرير المرافق لمشروع القانون رقم H.R. 8595 الذي قدّمه النائب الجمهوري ماريو دياز-بالارت في 30 أبريل الماضي، وتحمل دلالات قانونية ودبلوماسية ثقيلة. فمصطلح "الإدارة الإسبانية" بدلاً من "السيادة الإسبانية" يستخدم عادة في القانون الدولي للإشارة إلى سلطة إدارية مؤقتة لا تعني السيادة الكاملة ، بينما عبارة "الوضع المستقبلي" تُستخدم في الممارسة الدبلوماسية الأمريكية لتوصيف القضايا الإقليمية القابلة لإعادة التفاوض، مثل ملف كوسوفو. وأشار التقرير إلى معاهدة السلام والصداقة المغربية-الأمريكية الموقّعة عام 1786، واصفاً إياها بأنها أحد أقدم التحالفات المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة.
دعم مالي مرافق للموقف السياسي
لم تقتصر مضامين التقرير على البُعد الرمزي، بل تضمّنت تخصيص مبلغ 40 مليون دولار للمغرب ضمن ميزانية السنة المالية 2027: 20 مليون دولار في إطار برنامج الاستثمار من أجل الأمن القومي، ومبلغ مماثل ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي. ورغم أن هذه الأحكام لا ترد في نص القانون نفسه وإنما في التقرير التفسيري الملحق به، إلا أن الإدارة الأمريكية ملزَمة عملياً بمراعاتها تحت طائلة التوتر السياسي مع اللجان المخوّلة بمراقبة الاعتمادات.
دياز-بالارت: موقف متسق وصريح
يُعتبر ماريو دياز-بالارت، النائب الجمهوري من ولاية فلوريدا ورئيس اللجنة الفرعية للأمن القومي ووزارة الخارجية، أحد أبرز حلفاء وزير الخارجية ماركو روبيو في الكونغرس. وفي مقابلة مع صحيفة "إل إسبانيول" في الأول من أبريل، صرّح بأن "سبتة ومليلية تقعان على أراضٍ مغربية" وليس على الأراضي الجغرافية لإسبانيا، مضيفاً أن "هذا النوع من الأمور يتم تحديده والتفاوض عليه ومناقشته بين الأصدقاء والحلفاء". واتّهم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بتعريض التحالف بين واشنطن ومدريد للخطر، مشيداً في المقابل بالعلاقة "الإيجابية جداً" مع الرباط.
مناخ معادٍ لمدريد في واشنطن
تزامن موقف دياز-بالارت مع حملة أوسع تقودها أصوات مؤثرة في مراكز الأبحاث الأمريكية. ففي مارس الماضي، نشر مايكل روبن، المسؤول السابق في البنتاغون والباحث في معهد المشاريع الأمريكية، مقالين عبر منتدى الشرق الأوسط، دعا فيهما الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته إلى الاعتراف الرسمي بسبتة ومليلية بوصفهما "أراضي مغربية محتلة". وفي 16 مارس، ذهب روبن إلى حد حث المغرب على تنظيم مسيرة خضراء جديدة تشبه مسيرة 1975، بإرسال مدنيين غير مسلحين نحو الجيبين لرفع العلم المغربي. وزعم روبن أن حلف الناتو لن يكون له أساس قانوني للتدخل، نظراً لأن المادة السادسة من معاهدة واشنطن تستبعد الأراضي الواقعة جنوب مدار السرطان من نطاق الدفاع المشترك.
تصعيد أمريكي-إسباني متعدد الجبهات
تأتي هذه التطورات في ظل توتر حاد بين واشنطن ومدريد. ففي مارس، وصف الرئيس ترامب إسبانيا بأنها "فظيعة" بعد رفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في عمليات ضد إيران، وهدّد بقطع جميع التعاملات التجارية معها. كما كشفت رسالة داخلية من البنتاغون، في أبريل، عن دراسة إمكانية تعليق عضوية إسبانيا في الناتو انتقاماً لموقفها من الملف الإيراني. وقد جاء التقرير الأمريكي متضمناً انتقاداً ثانياً لمدريد، هذه المرة حول "استغلال الأطباء الكوبيين" في إسبانيا ضمن قائمة من الدول المنتقدة.
صمت دبلوماسي من الطرفين
حتى الآن، التزمت الحكومة الإسبانية بموقفها الثابت، مؤكدة أنه لا يوجد "أساس قانوني" لنقل السيادة، وأن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من التراب الوطني والاتحاد الأوروبي. أما المغرب، فيحافظ على صمت استراتيجي رغم أنه لم يتنازل يوماً عن مطالبته التاريخية بالجيبين، اللذين يطلق عليهما رسمياً "سبتة ومليلية". وقد يرى الرباط في وساطة أمريكية محتملة فرصة لنقل مطلب ظلّ حتى الآن في الإطار الثنائي إلى مستوى متعدد الأطراف.