تتابع الدوائر السياسية والأمنية في الرباط التطورات المتسارعة النمو في مالي, حيث يتركّز الاهتمام على التحالف المعلن بين تنظيمات جهادية وحركات انفصالية في شمال البلاد، وما يحمله ذلك من تهديد مباشر لوحدة الدولة المالية واستقرار فضاء الساحل برمّته. يندرج هذا الترقب في إطار ثابت من السياسة الخارجية المغربية يقوم على رفض الإرهاب بكل أشكاله، التمسك بالشرعية الدولية، والدفاع الصارم عن وحدة التراب الوطني للدول الإفريقية، مع حرص واضح على تجنّب أي انزلاق نحو تدخل عسكري مباشر.
أعادت الهجمات التي نفّذها في الخامس والعشرين من أبريل «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المتحالفة مع فصائل مسلّحة انفصالية في شمال مالي طرح طبيعة العلاقة بين الرباط وباماكو، في لحظة تزامنت مع إعلان السلطات المالية في العاشر من أبريل سحب اعترافها بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، وهو قرار اعتبره عدد من المراقبين علامة إضافية على تقارب الرؤى بين البلدين في ما يخصّ قضايا وحدة التراب ورفض تجزئة الدول الوطنية. غير أنّ قراءة المغرب للوضع في مالي لا تختزل، وفق هذه المقاربة، في ملف الصحراء وحده، بل تنطلق من تشابه أعمق بين تجربتين واجهتا توظيف نزعات انفصالية داخل بيئة إقليمية متوترة، مع تداخل متزايد بين منطق التمرّد المسلّح ومنطق التنظيمات المتطرفة.
يرى عدد من الباحثين في الرباط أنّ ما يجري في الشمال المالي يمثّل لحظة فارقة تتميّز بانتقال العلاقة بين مجموعات جهادية وحركات انفصالية من التقاطع الظرفي إلى نوع من التنسيق العملياتي المعلن، وهو ما تظهره الهجمات المتزامنة ضد مواقع استراتيجية للسلطات الانتقالية في كيدال ومناطق أخرى. هذا التلاقي، في نظرهم، يحوّل النزاع من تمرد محلي إلى مصدر تهديد أوسع يمتد من مالي إلى دول الجوار في الساحل، لا سيما أنّ المنطقة تحوّلت، بعد تراجع تنظيم «داعش» في الشرق الأوسط، إلى إحدى البؤر الأساسية للنشاط الجهادي العابر للحدود. وتتقاطع هذه القراءة مع تحذيرات مراكز أبحاث دولية من أنّ استمرار الانهيار الأمني قد يفتح الباب أمام سيناريوهات تتراوح بين إعادة رسم الخرائط السياسية أو انزلاق البلاد نحو فوضى يصعب احتواؤها.
داخل هذا المشهد المضطرب، يحرص المغرب على التمسك بعقيدة معلنة تقوم على حصر استخدام القوة العسكرية في حماية حدوده ومصالحه الحيوية، مع تفادي أي انخراط قتالي خارج أراضيه، خلافاً لبعض محطات القرن الماضي التي ظلّت استثناءً تاريخياً محدوداً ولا تُستعاد كخيار مطروح في اللحظة الراهنة. المسؤولون المغاربة يعبّرون، في المحافل الإفريقية والدولية، عن تضامنهم مع باماكو وإدانتهم للهجمات التي تستهدف المدنيين والمؤسسات العسكرية، مع تأكيد مستمر على دعم جهود السلطات المالية في مكافحة الإرهاب والحفاظ على سيادتها ووحدتها الترابية، وهو ما عبّرت عنه مداخلة الوفد المغربي في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عقب الهجمات الأخيرة. يتقاطع هذا الموقف مع قناعة بأن أي تدخل عسكري خارجي جديد قد يعمّق تعقيدات المشهد، في بلد يرتبط منذ سنوات بشراكات أمنية مع قوى أخرى مثل روسيا، ويشهد تنافساً محتدماً بين فاعلين إقليميين ودوليين على النفوذ في فضائه الجغرافي.
المفارقة التي تشغل جانباً من النقاش في الرباط تتعلق بتباين المقاربات بين المغرب والجزائر تجاه الأزمة المالية، حيث تُنسب إلى الجزائر، منذ توقيع «اتفاق الجزائر» عام 2015 ثم تعثره وإلغائه رسمياً من قبل السلطات المالية في 2024، علاقة خاصة مع أطراف مسلّحة في شمال مالي، بينما يفضّل المغرب إبراز أدوات أخرى للنفوذ تقوم على مشاريع تنموية كبرى، من قبيل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب والمبادرات الأطلسية الموجّهة لدول الساحل، بما يعكس رهاناً على التشابك الاقتصادي والتقارب المؤسساتي بدلاً من الرهان على قنوات أمنية مباشرة. هذا التباين يكرّس عملياً اختلافاً في فلسفة إدارة النفوذ في الساحل؛ فمن جهةٍ تُستخدم أدوات الضغط السياسي والأمني في علاقة مع الجماعات المحليّة، ومن جهة أخرى يُطرح خيار توسيع نطاق التعاون في مجالات الطاقة والبنى التحتية والتكوين الديني والأمني، في محاولة لتجفيف بعض منابع التطرّف على المدى الطويل.
على المستوى الأمني الأوسع، تظهر المنطقة الممتدة من شمال مالي إلى حوض بحيرة تشاد مسرحاً لتكاثر جماعات متطرفة متنافسة أو متعاونة، من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» إلى «بوكو حرام» وفروع أخرى مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، مع توسّع جغرافي نحو بوركينا فاسو والنيجر، ما يرفع من احتمالات انهيار هياكل الدولة في أكثر من بلد إذا ما استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية والإنسانية الراهنة. في مواجهة هذا الواقع، يميل المغرب إلى توظيف قدراته في مجالي الاستخبارات والتكوين الأمني والديني عبر شراكات ثنائية ومتعددة الأطراف، من بينها التعاون المتنامي مع الولايات المتحدة من خلال المناورات السنوية «الأسد الإفريقي» التي تشمل تدريبات على مكافحة الإرهاب ورفع جاهزية الجيوش الإفريقية. هذه الآلية تمنح الرباط موقعاً فاعلاً في هندسة ترتيبات أمنية إقليمية مع المحافظة على مسافة من النزاعات الداخلية التي لم تستقر توازناتها بعد.
من زاوية السياسة الخارجية، يستند الخط المغربي إلى مبدأ الحذر إزاء أنظمة انتقالية متقلّبة، حيث تتغير مراكز القوة في بعض دول الساحل خلال فترات زمنية قصيرة، عبر انقلابات أو إعادة تشكيل تحالفات عسكرية وسياسية. هذه الهشاشة تجعل أي انحياز صريح إلى طرف داخلي محفوفاً بمخاطر على المدى المتوسط، إذ يمكن أن يتحول شريك اليوم إلى طرف فاقد للشرعية غداً، وهو ما يدفع الرباط إلى التعامل أساساً مع السلطات المعترف بها دولياً، مع تركيز على الأطر القانونية الثنائية والمتعددة الأطراف التي تمنح التعاون صفة رسمية واضحة. وضمن هذا الإطار، تُقدَّم المساعدات التقنية أو برامج التكوين أو الدعم السياسي بناءً على طلب صريح من الحكومات القائمة، بما يجنّب المغرب اتهامات الانحياز أو التدخل غير المرغوب فيه في نزاعات داخلية معقّدة.
في هذا السياق، تبرز لدى الخبراء المغاربة مقاربة ترى أنّ تزايد التداخل بين السرديات الانفصالية والخطابات الجهادية يُنتج فضاء جديداً من الفاعلين «خارج الدولة»، يصعب تمييز خطوط الفصل بينهم على مستوى التمويل والتهريب والقدرة على ملء الفراغ الأمني في المناطق البعيدة عن سلطة المركز. هذا التشابك يعزّز القناعة بأن الدفاع عن وحدة الدول في الساحل لم يعد مسألة حدود جغرافية فحسب، بل يتصل بإعادة بناء مؤسسات قادرة على احتواء التهميش، وتطوير بدائل اقتصادية واقعية لمجتمعات تعيش على حافة الفقر والتهريب والهشاشة المناخية. ويجد هذا المنظور صداه في مداخلات المسؤولين المغاربة، من بينهم وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي نبّه خلال لقائه نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في الرباط إلى أنّ التحالف المتزايد بين الانفصال والإرهاب يهدد ليس فقط استقرار مالي، بل الأمن الإقليمي الأوسع، ويدعو إلى تحمّل جماعي للمسؤولية الإقليمية والدولية في مواجهة هذه الصيغة الجديدة من العنف المنظّم.
من خلال هذا المشهد المركب، يتضح أنّ الرباط تسعى إلى الجمع بين الحضور السياسي والاقتصادي في فضاء الساحل وبين تمسّك صارم بقواعد الشرعية الدولية، مع مراقبة دقيقة لتطورات الوضع العسكري والأمني في مالي الذي يصفه عدد من التقارير بأنه الأصعب منذ اندلاع الحرب في 2012 وما تلاها من انقلابات وتغييرات في خريطة الشركاء الدوليين. وتراهن هذه المقاربة على أن الحفاظ على مسافة محسوبة من الصراع الداخلي، مع توسيع شبكات التعاون الإقليمي في المجالات الاقتصادية والأمنية، قد يتيح للمغرب الاستمرار في لعب دور وسيط وشريك موثوق، في وقت تبدو فيه موازين القوى مفتوحة على احتمالات متعددة.