مشروع أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب يعود إلى الواجهة عبر بوابة واشنطن. حيث شهدت الأيام الأخيرة اجتماعاً جمع مساعد وزير الطاقة الأميركي، تومي جويْس، بالمديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن، أمينة بنخضرة، رافقها سفير المغرب لدى الولايات المتحدة، يوسف العمراني. وتم مناقشة آفاق التعاون في مجال الغاز الطبيعي وسلاسل توريد المعادن المصنَّفة مواداً حاسمة للانتقال الطاقي في الولايات المتحدة.
التقارب المغربي – الأميركي في هذا الملف يأتي في مرحلة يعتبر فيها خط أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية قيد التطوير في القارة الأفريقية. هذا المشروع، المعروف أيضاً باسم خط الغاز الأطلسي الأفريقي، يسعى إلى ربط احتياطات الغاز النيجيرية بأسواق غرب أفريقيا ثم المغرب وأوروبا عبر ربطه بأنبوب الغاز المغاربي – الأوروبي. خط أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب يمتد على أكثر من خمسة آلاف كيلومتر، وتكلفته الاستثمارية تدور حول خمسة وعشرين مليار دولار، وفق التقديرات الحكومية المغربية. ما يمنحه بعداً استراتيجياً يتجاوز تلبية الحاجات المحلية نحو دور محتمل في إعادة تشكيل مسارات إمدادات الغاز نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
السلطات المغربية أعلنت حديثاً اكتمال دراسات الجدوى الهندسية الأولى وتحديد المسار الأمثل للأنبوب، مع التحضير لإنشاء شركة ذات غرض خاص بين الرباط وأبوجا تكون مكلفة باتخاذ قرار الاستثمار النهائي قبل نهاية العام الجاري، ما يشير إلى انتقال المشروع من مرحلة التصور إلى القرارات التنفيذية. هذه الدينامية ترافقت خلال الأشهر الماضية مع توقيع مذكرات تفاهم وانخراط مزيد من الدول الأفريقية الأطلسية في المبادرة، مما يمنح الرباط هامشاً أوسع لبناء شراكات طاقية ومالية متعددة الأطراف، خصوصاً مع مؤسسات تمويل دولية وإقليمية تتابع هذا الملف باعتباره بنية قد تسهم في تقليص فجوة الطاقة في غرب أفريقيا.
في هذا السياق، يبدو أن واشنطن تراقب عن قرب ما يمكن أن يمثله المشروع من رافعة لإمدادات الغاز نحو أوروبا. هذا يحدث في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة وشركاؤها إلى تنويع مصادر الإمداد بعد سلسلة الأزمات الجيوسياسية التي أثرت في الأسواق العالمية خلال الأعوام الأخيرة. من زاوية أخرى، قد يفتح الحوار بين وزارة الطاقة الأميركية و«المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن» الباب أمام التعاون في مجالات التكنولوجيا المرتبطة بالبنية التحتية للغاز، سواء في ما يهم المحطات البحرية أو تقنيات خفض الانبعاثات على طول مسار الأنبوب. هذا يتماشى مع النقاش الدائر داخل الإدارة الأميركية حول دور الغاز في مرحلة الانتقال نحو طاقات أقل كربوناً.
جانب آخر من اللقاء يتعلق بالمعادن المصنفة مواد حاسمة داخل المنظومة التشريعية الأميركية. وفق التعريف المعتمد من وزارة الطاقة ووزارة الداخلية في القوائم المحدثة لعام 2025، تشمل مواد تدخل في تصنيع البطاريات، والمغناطيسات الدائمة، والتجهيزات الإلكترونية عالية الكثافة الطاقية. المغرب يمتلك احتياطيات وخبرات في استغلال عدد من هذه المواد، وفي مقدمتها الفوسفات وبعض المعادن المرتبطة بصناعة البطاريات. وهذا ما يمنحه موقعاً تفاوضياً في تقاطع السياسات الصناعية الأميركية الهادفة إلى تأمين سلاسل توريد أقل عرضة للاختلال. كما تظهره برامج «المعادن الحاسمة والمواد» داخل وزارة الطاقة الأميركية.
الحوار حول هذه الموارد يتجاوز البعد الثنائي الصرف. إذ يمكن أن يتقاطع مع توجهات الرباط الرامية إلى تطوير صناعات تحويلية محلية في مجالات البطاريات والأسمدة والطاقات المتجددة. هذا مما يقلل من تصدير المواد الخام ويعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. من جهة أخرى، تعمل الإدارة الأميركية على بناء شبكة شركاء في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا لتقليص الاعتماد على عدد محدود من الموردين. هذا ما يجعل بلد مثل المغرب، الذي يجمع بين موقع جغرافي قريب من أوروبا وواجهتين متوسطية وأطلسية، مرشحاً للعب دور في هذه المنظومة الجديدة لسلاسل التوريد.
توقيت هذا النوع من الاجتماعات يحمل دلالة خاصة، بالنظر إلى اقتراب مرحلة الحسم في الخيارات الاستثمارية المتعلقة بخط أنبوب الغاز مع نيجيريا، وإلى النقاش الدائر في العواصم الأوروبية حول مزيد من البدائل لإمدادات الغاز على المدى المتوسط والبعيد. كما أن إدراج ملف المعادن الحاسمة في جدول أعمال لقاءات من هذا المستوى يشير إلى أن العلاقة الطاقية بين الرباط وواشنطن قد تتخذ طابعاً أكثر تركيباً، يجمع بين مشاريع البنية التحتية التقليدية ومسائل التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل التوريد الصناعية المرتبطة بالانتقال الطاقي العالمي. بالنسبة للرباط، يوفر هذا المسار فرصة لتعزيز حضورها في النقاشات الدولية حول أمن الطاقة والمعادن، فيما يمنح واشنطن شريكاً إقليمياً يمكن أن يساهم في بناء مسارات جديدة للغاز والمواد الأولية نحو الأسواق الأطلسية.