بلجيكا تنضم إلى الإدانات الدولية لهجوم بولزاريو على سمارة

نشر بتاريخ 05/09/2026
منصة الخبر

جاء موقف بلجيكا الأخير من هجوم جبهة البوليساريو على مدينة السمارة في الصحراء المغربية ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة المواقف الغربية والعربية التي عبّرت عن رفضها الصريح لاستهداف المراكز الحضرية بالصواريخ والذخيرة غير الموجّهة، وما يرافق ذلك من تهديد مباشر للمدنيين وتقويض لمسار التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ عقود. ففي أعقاب الهجوم الذي طال أطراف المدينة وأثار مخاوف من انزلاق ميداني جديد، اختارت بروكسل لغة سياسية محسوبة لكنها دالة، إذ أدانت الهجوم وركّزت على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار، مع إعادة التذكير بإطار مرجعي واضح هو القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن لعام 2025، وما يحمله من إشارة إلى أولوية الحل السياسي التوافقي



النص الذي عمّمته السلطات البلجيكية تضمّن عناصر يمكن قراءتها بوصفها إعادة تموضع دقيقة في مقاربة النزاع، أو على الأقل توضيحا لما تعتبره بروكسل حدودا مقبولة لأي تحرّك عسكري في المنطقة. فقد ربط البيان بين إدانة الهجوم من جهة، والدعوة إلى احترام وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات جدّية من جهة أخرى، مع ذكر صريح لمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كقاعدة عملية للتقدّم نحو تسوية نهائية. هذا الربط يضع الموقف البلجيكي ضمن خط دبلوماسي يتنامى في العواصم الغربية يعتبر أن الحل الواقعي لا يمكن أن يتجاوز صيغة موسعة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع ضمانات سياسية وقانونية وحقوقية للسكان المعنيين.

توقيت الموقف البلجيكي يكتسب دلالته الخاصة لأنه يأتي بعد سلسلة مواقف مشابهة صدرت عن الولايات المتحدة وفرنسا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث اختارت هذه الأطراف توجيه رسائل متقاربة العبارات نحو القيادة الانفصالية تطالبها بالتوقف عن استهداف المراكز العمرانية المدنية، وتذكّرها بأن أي تصعيد ميداني ينعكس سلبا على فرص استئناف العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام. ومع دخول بلجيكا، بما تمثّله من ثقل داخل المنظومة الأوروبية والمؤسسات المتفرعة عنها، في هذا النسق من الخطاب، يبدو أن هامش المناورة السياسية والعسكرية أمام القيادة الانفصالية يتعرض لتضييق إضافي، خصوصا في ما يتعلق بمحاولة إضفاء شرعية على العمليات التي تنفَّذ قرب المناطق المأهولة بالسكان.

البيان البلجيكي حرص كذلك على إحاطة الموقف بإحالة قانونية صريحة إلى ميثاق الأمم المتحدة، من خلال التشديد على أن أي تسوية ينبغي أن تكون عادلة ودائمة ومقبولة من الأطراف، في توازن بين احترام سيادة الدول وبين حق الساكنة المحلية في إدارة شؤونها عبر آليات متفق عليها. هذه الصياغة تنسجم مع خط عام داخل الدبلوماسية الأوروبية يميل إلى تبنّي مفردات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن باعتبارها المرجعية الأسمى، لكنها في الوقت نفسه تمنح المغرب نقطة قوة إضافية لأنه يستند منذ سنوات إلى قرارات أممية متتالية تعتبر مبادرته بالحكم الذاتي مقترحا جديا وذا مصداقية.

على المستوى الجيوسياسي، يمكن قراءة هذا التطور ضمن سياق أوسع يتسم بتزايد اهتمام الشركاء الأوروبيين باستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، ومكافحة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود. في هذا المنظور، يتحول استقرار الأقاليم الجنوبية للمغرب إلى عنصر بنيوي في معادلة الأمن الإقليمي، ما يدفع عددا متزايدا من الدول إلى التعامل بحذر مع أي فاعل غير دولتي يعتمد تكتيكات عسكرية قرب مناطق مدنية. ومن شأن توالي بيانات الإدانة أن يبعث بإشارة واضحة مفادها أن استعمال الصواريخ أو القذائف قرب مدن مأهولة لا يجد تفهما لدى الشركاء الدوليين، حتى عندما يندرج في خطاب تعبوي يقدَّم على أنه جزء من "حرب تحرير".

في المقابل، يتيح هذا المناخ الدبلوماسي للرباط فرصة لتعزيز سرديتها السياسية التي تركز على كونها طرفا متمسكا بالحل السياسي وملتزما بوقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن النفس في حال استمرار استهداف المدنيين. كما يمنحها هامشا أوسع لتكثيف التحرك في العواصم الأوروبية من أجل توضيح تداعيات أي تصعيد مسلح على الاستقرار الإقليمي وعلى مصالح الشركاء أنفسهم، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي. ومن المرجّح أن تستثمر الدبلوماسية المغربية في هذا المسار من خلال عقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف، وتقديم معطيات ميدانية وقانونية حول ما تعتبره خطورة استمرار العمليات المسلحة خارج أي إطار تفاوضي.

غير أن هذا الزخم لصالح الطرح المغربي لا يعني أن مسار التسوية بات محسوما، إذ ما زالت عوامل عديدة تتحكم في وتيرة المفاوضات، منها مواقف بعض القوى الإقليمية، وطبيعة التوازنات داخل مجلس الأمن، ومدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث الجدي عن حل نهائي. كما أن استمرار حالة اللاسلم واللاحرب يطرح تحديات إنسانية واقتصادية على سكان المخيمات والمناطق المتاخمة، ويوفر بيئة قابلة لاستثمارها من قبل شبكات تهريب أو أطراف ذات أجندات مختلفة عن الخطاب المعلن للأطراف المتنازعة. لذلك يبقى الموقف البلجيكي، ومعه البيانات المماثلة الصادرة عن عواصم أخرى، جزءا من لوحة أوسع تعكس تزايد الميل إلى حلول واقعية، دون أن يلغي تعقيدات ملف تراكمت حوله حسابات داخلية وإقليمية ودولية عبر عقود.

في ضوء ذلك، يبدو أن الهجوم على السمارة لم يبق حدثا ميدانيا معزولا بقدر ما تحول إلى نقطة اختبار لطبيعة قراءة المجتمع الدولي لسلوك الفاعلين في هذا النزاع، وإلى فرصة لإعادة ترتيب أولويات الخطاب الدبلوماسي حوله. ومع أن لغة البيانات الرسمية تبقى محسوبة ومحكومة بقواعد الحذر، إلا أن تكرار الإحالة إلى مبادرة الحكم الذاتي والقرار الأممي الأخير يعطي انطباعا بأن عددا متزايدا من الدول يميل إلى اعتبار هذا التصور الإطار الأكثر قابلية للتطبيق من الناحية العملية. ويبقى مدى قدرة الأطراف المعنية على التقاط هذه الرسائل وتكييف حساباتها معها عاملا حاسما في تحديد اتجاه الأحداث خلال المرحلة المقبلة.