في غضون عقد واحد، تغيّرت معالم الهجرة إلى المغرب بصورة عميقة، مع صعود غير مسبوق للجاليات القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، وفي مقدمتها السنغاليون والإيفواريون. فقد كشف التحليل الذي أعدّته لمفوضية العليا للتخطيط استنادًا إلى النتائج التفصيلية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن قفزة قدرها 76 في المئة في عدد الأجانب المقيمين قانونيًا بالمملكة خلال عشر سنوات، ليصل عددهم إلى نحو 148 ألفًا و150 شخصًا، أي ما يناهز 0,4 في المئة من مجموع السكان البالغين 36,8 مليون نسمة في 2024، بعد أن كانوا 84 ألفًا فقط سنة 2014 وسط ساكنة تناهز 33,85 مليون نسمة. هذه الطفرة تبدو لافتة إذا ما قورنت بالفترة الممتدة من بداية السبعينيات إلى مطلع الألفية، حين تراجع عدد الأجانب من 112 ألفًا سنة 1971 إلى 51 ألفًا و435 في إحصاء 2004، غير أنها تظل محدودة نسبيًا إذا ما قورنت بتاريخ البلاد الطويل كبلد مصدِّر للهجرة أكثر منه مستقبلًا لها.
المعطيات الجديدة تُظهر انتقال المغرب من صورة بلد عبور نحو أوروبا إلى بلد مقصد للعمل والدراسة والاستقرار طويل الأمد لفئات واسعة من الأفارقة الشباب. وتؤكد وثيقة HCP أن إدراج وحدة خاصة بالهجرة في إحصاء 2024 سمح لأول مرة برسم ملامح دقيقة للأجانب المقيمين من حيث بلدان المنشأ، ومستويات التأهيل، والاندماج المهني والاجتماعي. ويتقاطع هذا التوجه مع الخيارات الرسمية التي كُرِّست منذ خطاب الملك محمد السادس في 2013، حين أُطلقت استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء هدفت إلى الانتقال من مقاربة أمنية إلى سياسة عمومية تُدرج الهجرة في أجندة التنمية، وتمنح المقيمين حق الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والتكوين المهني.
من ثمار هذه السياسة تنظيم حملتين استثنائيتين لتسوية وضعية المهاجرين، الأولى في 2014 والثانية بين 2017 و2018، استفاد منهما ما يزيد على 48 ألف شخص، أغلبهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء مثل السنغال والكاميرون وكوت ديفوار وغينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى لاجئين سوريين، وهو رقم تؤكده تقديرات رسمية مختلفة ولو بتفاوت في تفاصيله بحسب الجهات والمؤسسات. هذه التسويات القانونية كان هدفها تمكين مَن استوفوا الشروط من الإقامة المنتظمة، وتسهيل إدماجهم في سوق العمل، وتوسيع دائرة المستفيدين من الخدمات الأساسية عبر شراكات بين الدولة ومؤسسات دولية ومنظمات مدنية.
على مستوى البنية الديمغرافية، تُبرز أرقام HCP أن نسبة القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء بلغت 59,9 في المئة من مجموع الأجانب سنة 2024، أي ما يقارب 88 ألفًا و740 شخصًا، بعد أن كانت 26,8 في المئة فقط سنة 2014 وحوالي 10,4 في المئة عام 2004، حين كانت غالبية هذه الفئة من جمهورية الكونغو والسنغال. في المقابل، تراجع الوزن النسبي للأوروبيين من 45,9 في المئة سنة 2004 إلى 40 في المئة عام 2014 ثم 20,3 في المئة في إحصاء 2024، كما انخفضت حصة رعايا دول المغرب العربي الأخرى من 13 إلى 6 في المئة، ونسبة الوافدين من مصر والشرق الأوسط من 13,3 إلى 7,3 في المئة خلال الفترة نفسها.
التحول الأهم تمثل في صعود السنغاليين والإيفواريين إلى صدارة المشهد. فبحسب المعطيات المستقاة من تحليل الإحصاء، يشكل السنغاليون 18,4 في المئة من مجموع المقيمين الأجانب بما يعادل 27 ألفًا و260 شخصًا، يليهم الإيفواريون بنسبة 17,3 في المئة أي نحو 25 ألفًا و630 فردًا، في حين يحتل الفرنسيون المرتبة الثالثة بنسبة 13,8 في المئة وبعدد يقارب 20 ألفًا و445 مقيمًا. وتأتي بعد هذه الجنسيات جاليات غينية ومالية وكونغولية وغابونية وكاميرونية بنسب تتراوح بين 1,9 و4,8 في المئة، ما يكرّس حضورًا متناميًا لغرب ووسط إفريقيا في النسيج الاجتماعي المغربي.
هذه الخريطة السكانية الجديدة تجد ترجمتها الملموسة في الحياة اليومية لمدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش. تقرير مطوّل نشره موقع Jeune Afrique، أنجزته الصحفية فدوى إسلاه، يرصد كيف تحوّلت أحياء مثل باب مراكش وأولفا في الدار البيضاء إلى فضاءات تجارية وثقافية تحمل بصمات قوية للجاليات السنغالية والإيفوارية والمالية، من خلال سوق «ناموداجي» المعروف شعبيًا باسم «مارشي سانيغال»، حيث تُباع منتجات غذائية وأقمشة وأنماط تصفيف شعر ومأكولات شعبية تجعل المكان نقطة استدلال اجتماعية واقتصادية للمهاجرين الجدد. في هذه الفضاءات، لا يقتصر الدور على التجارة الصغيرة، بل يمتد إلى وظائف مالية غير رسمية، حيث تمر السلع والمبالغ بين الدار البيضاء وعواصم غرب إفريقيا في حركة دورية تغذي اقتصادًا عابرًا للحدود.
في المقابل، لا تقتصر الهجرة الإفريقية إلى المغرب على المهن الهشة أو الاقتصاد غير المهيكل. تحقيق Jeune Afrique يسلط الضوء على حضور متزايد لكوادر من ساحل العاج والكاميرون والسنغال داخل مقرات شركات متعددة الجنسية في قطب Casablanca Finance City، وعلى نمط عيش طبقة متوسطة عليا تقصد مطاعم الكورنيش وأماكن الترفيه نفسها التي يرتادها إطار مغربي أو أجنبي آخر. كما يبرز التحقيق أن آلاف الطلبة القادمين من بلدان إفريقية جنوب الصحراء يتابعون دراستهم في جامعات مغربية عمومية وخاصة، في تخصصات الهندسة والمالية والعلوم الحيوية، بفضل منح وبرامج تكوين تشرف عليها الوكالة المغربية للتعاون الدولي التي قدّرت، قبل بضع سنوات، عدد الطلبة الأجانب بما يقارب 14 ألفًا، غالبيتهم من إفريقيا.
المعطيات المفصلة لـHCP تؤكد هذا البُعد التعليمي والمهني؛ إذ تشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من الأجانب المقيمين تتراوح أعمارهم بين 15 سنة وما فوق، وأن 54 في المئة منهم من الساكنة النشيطة المشتغلة، يعمل حوالي ثلثيهم أُجراء في القطاع الخاص، بينما ينتمي آخرون إلى فئة العاملين لحسابهم أو مسيّري مقاولات توظّف خمسة أجراء فأكثر، في حين لا تتجاوز نسبة العاطلين 4,6 في المئة. كما يبيّن الإحصاء أن 39 في المئة من هؤلاء حاصلون على شهادة التعليم العالي، وأن دوافع القدوم إلى المغرب تتوزع أساسًا بين العمل (أكثر من نصف العينة تقريبًا)، ولمّ الشمل العائلي، ثم الدراسة بنسبة تناهز 14 في المئة.
في خلفية هذه الأرقام، تبرز مفارقة رصدها تحقيق Jeune Afrique حول «الدياسبورا الإفريقية في المغرب»، وهي التفاوت بين خطاب رسمي يؤكد الانتماء الإفريقي للمملكة، وواقع اجتماعي لا تزال فيه حدود الاندماج كاملة بعيدة عن الاكتمال. تتجلّى هذه المفارقة في حوادث توتر برزت إلى السطح، مثل ما رافق نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 بين المغرب والسنغال في الرباط، من تراشق لفظي على المنصات الرقمية، وشكاوى من عبارات مهينة ذات حمولة عنصرية، قابلتها موجة تعبير عن شعور بالوصم داخل أوساط جزء من الرأي العام المغربي.
مقابلات أنجزتها الصحيفة مع المهاجرين ومع الباحث في علم الاجتماع مهدي عليوة ترسم صورة متداخلة: من جهة، تجارب يومية مع عبارات عنصرية وإكراهات إدارية تتعلق بتجديد بطاقات الإقامة أو الحصول على خدمات صحية، ومن جهة أخرى، دينامية مجتمع مدني ومنظمات حقوقية عملت خلال السنوات الأخيرة على مرافقة ضحايا التمييز وتنظيم حملات توعية وإدراج موضوع الهجرة في النقاش العام. كما يشير عليوة إلى أن تطور أنماط التنقل والتزاوج المختلط بين مغاربة وأفارقة جنوب الصحراء – والتي يُظهر HCP أنها باتت تمثل نحو سبعة من كل عشرة زيجات مختلطة سنة 2024 مقارنة بنسبة أقل بكثير قبل عقد – يُعيد تشكيل التصورات المتبادلة على المدى الطويل.
في هذا السياق، تبدو «الأفريقانية» عنصرًا قيد البناء في الهوية الوطنية كما يعرضها الباحثون. فبينما نص دستور 2011 على الاعتراف بالمكوّنين الأمازيغي واليهودي إلى جانب الأبعاد العربية والإسلامية، لا تزال البعد الإفريقي حاضرًا بقوة في الخطاب الدبلوماسي أكثر منه في مناهج التعليم أو تمثلات الحياة اليومية، بحسب قراءات أكاديمية تناولت الموضوع. ومع ذلك، تشير المعطيات الميدانية، من الحضور الكثيف للطلبة في الجامعات والإطارات في المراكز المالية إلى انتشار العاملات المنزليات والمستخدمين في مهن الخدمات والاتصالات، إلى أن التداخل اليومي بين المغاربة والأفارقة جنوب الصحراء بات عنصرًا بنيويًا في المدن الكبرى، بما يحمله من فرص اقتصادية وثقافية وتحديات اجتماعية في آن واحد.
يبدو أن سؤال المرحلة لم يعد يتعلق فقط بعدد الأجانب المقيمين أو نسب الجنسيات المختلفة، بقدر ما يتعلق بنوعية المكان الذي ترغب الدولة والمجتمع المغربيان في منحه لهذه «إفريقيا الداخلية» التي أصبحت جزءًا من المشهد البشري والاقتصادي للبلاد. فمسار تسوية الأوضاع القانونية وتوسيع الولوج إلى الخدمات يطرح، بالضرورة، أسئلة أخرى حول المساواة الفعلية في الحقوق، وتمثيل هذه الجاليات في الفضاء العام، وطريقة تناول الإعلام المغربي لقضايا الهجرة والعنصرية، وهي أسئلة مفتوحة تستدعي عملًا بحثيًا وإعلاميًا متواصلًا يتجاوز اللحظة الانفعالية التي فجّرتها أحداث نهائي «الكان» الأخير.