قالت مصادر غربية وإيرانية متطابقة إن القوات الجوية السعودية نفذت سلسلة ضربات جوية غير معلنة على أهداف داخل الأراضي الإيرانية في أواخر مارس، ردًّا على موجة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة خلال اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط. وذكرت هذه المصادر لوكالة الأنباء العالمية رويترز أن الضربات، التي لم يسبق الإعلان عنها رسميًا، شكّلت أول عمل عسكري سعودي معروف ينفَّذ مباشرة داخل إيران منذ اندلاع المواجهة الراهنة بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وبحسب تقرير أعده الصحفيان تيمور أزهري وباريسا حافظي، نُسبت المعلومات إلى مسؤولَين غربيين مطّلعين على تقارير استخباراتية حول مسار العمليات، إضافة إلى مسؤولَين إيرانيين أكدا وقوع الغارات. وأوضح أحد المسؤولين الغربيين أن الهجمات السعودية جاءت بوصفها «ردًّا مماثلًا» بعد أسبوع شهد أكثر من مئة وخمس هجمات صاروخية ومسيّرة على أراضٍ سعودية، في حين وصف مسؤول إيراني هذه الضربات بأنها رسالة تحذير من الرياض بعد تزايد الاستهداف الإيراني للبنية التحتية للطاقة في الخليج.
التصعيد المتبادل بين الجانبين برز عقب بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة على إيران في أواخر فبراير، ما دفع طهران إلى إطلاق مئات الصواريخ والطائرات بدون طيار على دول خليجية تستضيف قواعد أميركية، من بينها السعودية وقطر والإمارات والكويت، واستهدفت بعض الضربات منشآت نفطية ومطارات ومبانٍ مدنية. وأشارت تقارير صحفية غربية إلى أن منشآت سعودية حيوية، مثل مصفاة رأس تنورة شرقي البلاد، تعرضت لهجمات متكررة أو أضرار ناجمة عن اعتراض الطائرات المسيّرة، كما سُجلت هجمات قرب قاعدة الأمير سلطان الجوية ومواقع عسكرية أخرى.
وأفاد تقرير رويترز بأن عدد الهجمات الإيرانية على السعودية بلغ مستوى مرتفعًا في الأسبوع الأخير من مارس، قبل أن ينخفض بشكل حاد خلال الأسبوع الأول من أبريل، وهو ما ربطته مصادر غربية مباشرة بتنفيذ الضربات الجوية السعودية داخل إيران. ورجّح أحد هذه المصادر أن تكون الغارات قد استهدفت مواقع مرتبطة بتخزين أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل العمق الإيراني، وإن لم تُكشف طبيعتها بدقة، في حين قالت الوكالة إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من الأهداف أو حجم الخسائر التي أسفرت عنها.
من جانبها، لم تُصدر الحكومة السعودية أي إعلان رسمي عن شن عمليات عسكرية داخل إيران، لكن وكالة الأنباء السعودية نقلت في مطلع مارس عن مجلس الوزراء تأكيده عزم المملكة على اتخاذ «جميع الإجراءات اللازمة» لحماية أمنها وحدودها في ضوء الهجمات التي تعرضت لها أراضيها والمنشآت التابعة لها. وفي تصريحات سابقة نُقلت عن مسؤولين سعوديين، بينهم وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، أبلغت الرياض طهران أنها تؤيد خفض التوتر لكنها لن تتردد في الرد إذا تكررت الهجمات على منشآتها النفطية أو البنى التحتية الإستراتيجية.
أما في طهران، فلم تعلن السلطات رسميًا تعرضها لضربات سعودية، غير أن أحد المسؤولين الذين تحدثوا لرويترز أقر بوقوع هجمات جوية نُسبت إلى «طرف إقليمي» خلال أواخر مارس، مؤكِّدًا أن الجانبين توصّلا لاحقًا إلى تفاهم غير مكتوب يهدف إلى احتواء التصعيد ومنع استهداف المصالح الاقتصادية، ما ساهم في تراجع وتيرة الضربات المتبادلة مع مطلع الربع الثاني من العام. وأضاف المسؤول الإيراني أن القيادة السياسية في بلاده أخذت في الحسبان مخاطر انزلاق التوتر مع السعودية إلى مواجهة مفتوحة، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة جراء الحرب مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ويرى مراقبون وسياسيون خليجيون، استندت إليهم تقارير صحفية دولية، أن الضربات السعودية السرية تعكس مستوى جديدًا من الانخراط العسكري المباشر في الصراع الدائر حول إيران، بعد سنوات اقتصرت فيها المواجهة بين الرياض وطهران على الساحات الإقليمية كاليمن والعراق ولبنان، أو على استهداف متبادل للبنى التحتية عبر وكلاء. وتشير هذه القراءات إلى أن رغبة السعودية في تجنّب مواجهة شاملة لم تمنعها من إرسال إشارة عملية مفادها أن استهداف أراضيها ومنشآتها النفطية لن يمر من دون رد، حتى وإن جرى ذلك بعيدًا عن العلن وبمستوى من السرية يسمح بالإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة مع طهران والقوى الدولية المعنية بالأزمة.
في الوقت نفسه، يلف الغموض حجم الخسائر البشرية والمادية التي نجمت عن الضربات داخل إيران، إذ لم تُسجل أي إعلانات رسمية عن سقوط قتلى أو تدمير واسع لمنشآت عسكرية أو نفطية، كما لم تُرصد صور أو بيانات مستقلة توثّق وقائع العمليات. ويُرجَّح أن تكون السرية التي أحاطت بالهجمات جزءًا من تفاهم ضمني بين الأطراف المنخرطة في الحرب الحالية، بهدف تجنب خطوات قد تُعد خروجًا عن قواعد الاشتباك غير المعلنة وتدفع نحو مواجهة أوسع يصعب احتواؤها في منطقة تعيش أصلًا على إيقاع توترات مزمنة.
ومع استمرار الضربات المتبادلة على مسارح أخرى في المنطقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتابع العواصم الخليجية بحذر مسار الصراع واحتمالات تمدده أو انحساره، في ظل اعتماد اقتصادي عالمي على صادرات الطاقة القادمة من هذه الدول. وتبقى كيفية موازنة السعودية بين رسائل الردع العسكرية وحسابات الاستقرار الداخلي والاقتصادي عنصرًا حاسمًا في مسار الأزمة، خاصة أن أي تصعيد جديد قد ينعكس مباشرة على أسواق النفط والنقل البحري وأسعار الطاقة عالميًا.