تتوزع أعداد كبيرة من اللاجئين الماليين في شرق موريتانيا، حيث يقيم أكثر من 300 ألف شخص فروا من النزاع المستمر في بلادهم منذ عام 2012، في انتظار مسار يتيح لهم العودة. التطورات العسكرية الأخيرة في شمال مالي، عقب هجمات منسقة نفذها مقاتلو «جبهة تحرير أزواد» إلى جانب عناصر من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، أعادت طرح احتمالات جديدة، بين من يرى فيها فرصة لتغير موازين القوى، ومن يخشى أن تؤدي إلى موجة نزوح إضافية.
في بلدة فصالة القريبة من الحدود، يحمل كثير من اللاجئين روايات عنف مرتبطة بوجود عناصر روسية تقاتل إلى جانب الجيش المالي، ضمن ما يعرف حالياً بـ«أفريكا كور». بعض هؤلاء يتحدث عن انتهاكات طالت مدنيين في مناطق وسط البلاد وشمالها، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى التحرك، من بينها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان التي تقدمت بشكوى أمام المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن انتهاكات مزعومة.
عدد من اللاجئين يعتبر أن أي تغيير في هذا الوجود العسكري قد يفتح الباب أمام العودة. في المقابل، لا يخفي آخرون تخوفهم من تعقيدات المشهد، خصوصاً مع تقاطع أجندات الفصائل المسلحة. صور متداولة تظهر انسحاب آليات روسية من مدينة كيدال، التي استعادت السيطرة عليها مجموعات مسلحة من الطوارق، غذّت نقاشاً داخل المخيمات حول احتمال تحول ميداني أوسع.
في مخيم امبرة، الذي يضم نحو 120 ألف لاجئ، تتجسد هذه التباينات بوضوح. بعض السكان يتحدث عن رغبة في الرجوع إلى مناطقهم الأصلية متى توفرت شروط الأمان، بينما يرفض آخرون فكرة التعويل على تحالفات تضم جماعات مصنفة إرهابية. هذا التباين يعكس قراءة مختلفة لطبيعة الصراع، وللجهات القادرة على فرض الاستقرار مستقبلاً.
الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات تزداد تعقيداً مع استمرار تدفق الوافدين. منذ أكتوبر الماضي، أدت عمليات حصار فرضتها جماعات مسلحة على بلدات مالية إلى نزوح جديد، حيث وصل نحو 14 ألف شخص إضافي، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. الغالبية من النساء والأطفال، ما يضع ضغطاً إضافياً على الخدمات الأساسية.
السلطات المحلية في ولاية الحوض الشرقي تواجه تحديات متزايدة في إدارة هذا الوضع. الموارد الطبيعية، خاصة المياه والمراعي، أصبحت محل تنافس بين السكان المحليين واللاجئين، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة بيئية. كما أن البنية الصحية والتعليمية تتعرض لضغط مستمر مع ارتفاع عدد المقيمين.
موريتانيا، التي تُعد من الدول القليلة في الساحل التي حافظت على مستوى من الاستقرار الأمني، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: الاستجابة للواجب الإنساني تجاه اللاجئين، مع الحفاظ على توازنها الداخلي. هذا التحدي يزداد تعقيداً كلما تصاعدت العمليات العسكرية داخل الأراضي المالية.
في الأثناء، تواصل الفصائل المسلحة في شمال مالي إعلان نواياها التقدم نحو مدن رئيسية، ما يضيف عنصراً جديداً إلى حسابات اللاجئين والمنظمات الإنسانية على حد سواء. هذا التصعيد يطرح احتمال اتساع رقعة المواجهات، وبالتالي زيادة حركة النزوح.
بالنسبة لكثير من العائلات التي وصلت حديثاً، فإن تجربة الفرار لا تزال حاضرة بقوة. بعض الشهادات تتحدث عن عمليات نهب وإحراق للقرى، ما يعمق الشعور بعدم الأمان ويجعل فكرة العودة مرتبطة بشروط صارمة، في مقدمتها توقف العمليات العسكرية وتراجع وجود القوات الأجنبية.