صورة السلطة في شاشة التلفزيون الإيراني الرسمي

نشر بتاريخ 05/21/2026
منصة الخبر


يشكل جهاز الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية الإسلامية في إيران، المعروف اختصاراً بـ«صدا و سيما» أو «IRIB»، حجر الزاوية في منظومة الاتصال الرسمية. فهو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بالبث الإذاعي والتلفزيوني داخل البلاد منذ الثورة عام 1979، ما منحه احتكاراً كاملاً للشاشة المحلية وأمواج الأثير لعقود متتالية.


>

هذا الاحتكار لم يكن تقنياً فحسب، بل ارتبط بنص دستوري يربط وظيفة الإعلام المرئي والمسموع بنشر الرؤية الدينية والسياسية للنظام. الأمر الذي حوّل المؤسسة إلى ذراع متقدمة للسلطة أكثر منه مرفقاً عمومياً يقدم خدمة متوازنة للجمهور. وعلى امتداد سنوات طويلة، تراكمت ممارسات تحكم صارمة في تدفق المعلومات، عبر الانتقاء الحاد للمواد الإخبارية وتوجيه الخطاب السياسي والديني والثقافي وفق أولويات القيادة، مع توسيع مستمر للميزانيات والموارد البشرية المخصصة لهذه المهمة داخل إيران وخارجها.

تتولى «صدا و سیما» إدارة شبكة واسعة من القنوات، تشمل قنوات وطنية عامة ومتخصصة، إضافة إلى قنوات موجهة للأقاليم وقنوات فضائية ناطقة بلغات أجنبية مثل الإنجليزية والعربية والإسبانية، في محاولة لتوسيع الحضور الإعلامي الإيراني خارج الحدود الجغرافية.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن المؤسسة تشرف على عشرات القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية، مع انتشار لمكاتب ومراسلين في عواصم متعددة، بما في ذلك عواصم غربية وآسيوية، ما يمنحها بنية تحتية ضخمة مقارنة بوسائل إعلام رسمية أخرى في المنطقة.

لكن هذا الانتشار الكمي لم يرافقه تحول نوعي في طبيعة الرسالة أو في علاقة الوسيلة بجمهورها، إذ بقيت البنية التحريرية خاضعة لآليات تدقيق أمني وأيديولوجي صارمة، تحد من هامش التعددية والاختلاف.

هذا الطابع الممركز، الذي يربط السياسة التحريرية للمؤسسة مباشرة بمكتب المرشد الأعلى وهيئات أمنية وإعلامية عليا، جعل التلفزيون الرسمي جزءاً من منظومة إدارة المجال العام أكثر من كونه منبراً لتعدد الأصوات.

فالمضامين التي تتناول قضايا السياسة الداخلية أو الاحتجاجات أو الملفات الحساسة تُصاغ غالباً بأسلوب يركز على خطاب الدولة ويهمش الروايات المناقضة، مع حضور قوي للغة التعبئة الحزبية والدينية في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية.

كما تعكس شبكة البرامج الثقافية والدينية أولوية واضحة لإعادة إنتاج سردية واحدة عن الثورة والنظام والهوية، مع مساحة محدودة أمام مقاربات نقدية أو قراءات تاريخية بديلة.

على المستوى الدولي، أسست إيران عبر المؤسسة ذاتها شبكات ناطقة باللغات الأجنبية. من بينها قناة «برس تي في» باللغة الإنجليزية وقناة «العالم» باللغة العربية. الهدف من هذه القنوات هو تقديم رواية موازية للروايات الغربية والإقليمية حول ملفات النزاع والبرنامج النووي والسياسة الإقليمية لطهران. 

ويستند هذا التوجه إلى تصور يعتبر أن المعركة على الرأي العام العالمي تمر عبر الإعلام متعدّد اللغات. لذلك جرى الاستثمار في قنوات تستهدف جمهوراً في أوروبا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي، إضافة إلى إذاعات وبرامج تبث بأكثر من ثلاثين لغة. 

غير أن هذه القنوات واجهت اتهامات متكررة من حكومات ومنظمات حقوقية وهيئات تنظيمية في دول مختلفة بتمرير سرديات متسقة مع سياسات طهران الخارجية، على حساب التعددية والحياد. ما أدى في بعض الحالات إلى تعليق تراخيص بث أو فرض قيود تنظيمية صارمة.

تراكمت الانتقادات الموجهة للتلفزيون الرسمي من أطياف مختلفة في الداخل الإيراني، بما في ذلك شخصيات صنفت سابقاً ضمن التيار الإصلاحي. واعتبرت هذه الشخصيات أن المضمون المقدم يبتعد عن هموم الجمهور اليومية ويقترب من الدعاية المباشرة. 

وتشير تحليلات صحافية حديثة إلى أن المؤسسة تواجه أزمة ثقة متفاقمة، إذ لم يعد احتكار البث كافياً لضمان المتابعة. ومع تزايد الاعتماد الشعبي على الأقمار الصناعية الأجنبية ومنصات التواصل للحصول على الأخبار، خصوصاً خلال فترات التوتر السياسي والاحتجاجات. 

ووفق قراءات متخصصة، أدى الإفراط في التحكم بالسرديات، والإنكار المتكرر لوقائع ميدانية موثقة خارجياً، إلى إضعاف قدرة التلفزيون الرسمي على الإقناع، حتى لدى شرائح ليست بالضرورة معارضة للنظام.

يواكب هذا التآكل في الثقة استثمار مالي متصاعد في الجهاز الإعلامي الرسمي، إذ تشير تقارير بحثية إلى زيادات كبيرة في موازنته خلال الأعوام الأخيرة، بهدف توسيع شبكاته الدولية وتعزيز الحضور الرقمي المساند لها عبر المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل.

وتركز السلطات على بناء منظومة تأثير هجينة، تجمع بين البث التلفزيوني التقليدي وحسابات رقمية ومحتوى مترجم، بما يسمح بتمرير رسائل متقاربة في قوالب متعددة تستهدف فئات مختلفة في الداخل والخارج. 

غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم ببيئة إعلامية عالمية مفتوحة نسبياً، تتيح للمستخدم مقارنة الروايات الرسمية بمصادر مستقلة ومنصات بديلة، ما يجعل مهمة تشكيل الرأي العام عبر قناة واحدة أقل قابلية للتحقق مما كان عليه الأمر في السابق.

تقارير منظمات دولية مع شهادات صحافيين وناشطين إيرانيين في وصف منظومة الإعلام الرسمي بوصفها جزءاً من آلية أوسع للرقابة على الفضاء العام، عبر ممارسات تشمل حجب منصات، والتشويش على قنوات فضائية، وحملات منظمة ضد وسائل إعلام معارضة في الخارج. 

هذه التقارير تشير إلى أن الرقابة لا تقتصر على منع محتوى بعينه، بل تمتد إلى هندسة الصورة العامة للأحداث، من خلال التركيز على ملفات معينة وإهمال أخرى أو تقديمها في إطار ينسجم مع أولويات أمنية وسياسية محددة، ما ينعكس على تمثيل الاحتجاجات والانتخابات والنقاشات الاجتماعية الحساسة على شاشة التلفزيون الرسمي. 

ومع أن هذا النمط من التحكم الإعلامي ليس فريداً في المنطقة، فإن حالة إيران تقدم نموذجاً مكثفاً لوسيلة رسمية تمتلك احتكاراً قانونياً وموارد مالية ضخمة وشبكة عالمية واسعة، لكنها تواجه في الوقت نفسه فجوة متنامية بينها وبين جزء معتبر من جمهورها في الداخل والخارج.

تبدو تجربة التلفزيون الإيراني الرسمي أقرب إلى مختبر حي لتحولات العلاقة بين الدولة والإعلام في عصر المنصات الرقمية العابرة للحدود، في ظل هذا الواقع المتداخل بين الاحتكار القانوني والتراجع الفعلي في النفوذ الرمزي. فالمؤسسة التي صممت أصلاً لتكون الأداة الرئيسية في تشكيل الرأي العام الوطني، تجد نفسها اليوم أمام جمهور متعدد المصادر، قادر على الوصول إلى روايات متعارضة بضغطة زر، ما يحد من فاعلية الرسالة الأحادية مهما توسعت إمكاناتها التقنية والمالية. 

وبين استمرار قبضة الدولة على البث التقليدي واندفاع المواطنين نحو فضاءات بديلة، يتشكل مشهد إعلامي إيراني موزع بين شاشة رسمية ذات حضور مادي قوي وتأثير معنوي متراجع، ومنصات مفتوحة تفتقر إلى التنظيم المؤسسي لكنها توفر بدائل سردية لا يمكن للتلفزيون الرسمي إقصاؤها بالكامل