يعود اسم الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند إلى الواجهة السياسية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقرر عام 2027، بعدما لمح في أكثر من مناسبة إلى استعداده للعودة إلى قصر الإليزيه وخوض تجربة جديدة في قمة هرم السلطة. يقدم هولاند هذا الاحتمال بوصفه استجابة لمرحلة يعتبرها حساسة على المستويين الوطني والأوروبي، ويرى أن حجم الرهانات المطروحة على فرنسا يتجاوز الحدود الداخلية التقليدية، ما يستدعي، في رأيه، شخصيات تمتلك خبرة في إدارة الدولة والملفات الدولية المعقدة. هذا الخطاب يعكس تصورًا لدى الرئيس السابق بأن تجربته الأولى، على الرغم من كثرة الانتقادات التي رافقتها، توفر له رصيدًا يمكن استدعاؤه في مواجهة تحولات عميقة في المشهد الحزبي الفرنسي وصعود تيارات يمينية متشددة.
صورة هولاند في الوعي العام ما زالت مرتبطة بمرحلة انتهت بنسبة رضا متدنية للغاية، إلى درجة أنه غالبًا ما يُقدَّم في التقارير السياسية بوصفه أحد أقل رؤساء الجمهورية الخامسة شعبية عند مغادرته السلطة. ففي نهاية ولايته عام 2017، كان مستوى التأييد له قريبًا من الحدود الدنيا في استطلاعات الرأي، ما دفعه آنذاك إلى العدول عن الترشح لولاية ثانية وترك الساحة مفتوحة أمام وجوه جديدة داخل العائلة الاشتراكية وما حولها. اليوم، ورغم مرور سنوات على تلك اللحظة، لا تزال آثار ذلك التراجع حاضرة، ويتعامل خصومه داخل اليسار وخارجه مع أي حديث عن عودته باعتباره مغامرة انتخابية قد تعيد إنتاج أجواء الهزيمة السابقة بدل فتح صفحة جديدة.
استطلاعات الرأي المتاحة حتى الآن لا تمنح هولاند موقعًا متقدمًا في نيات التصويت المحتملة لعام 2027، إذ تشير التقديرات المتداولة إلى نسب تقل عن عتبة عشرة في المئة، ما يضعه في مرتبة ثانوية خلف شخصيات أخرى في اليسار واليمين معًا. في المقابل، يظهر «التجمع الوطني» الذي تمثله مارين لوبن ومعها رئيس الحزب جوردان بارديلا في موقع قوة، مع نسب تتجاوز الثلاثين في المئة في سيناريوهات مختلفة، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن المعركة الأساسية قد تدور بين هذا المعسكر اليميني المتشدد ومرشح آخر من الوسط أو اليمين التقليدي، بينما يجد اليسار نفسه موزعًا بين أقطاب متعددة غير قادرة حتى الآن على بلورة واجهة موحدة. هذا الاختلال في موازين القوى يجعل أي ترشح محتمل لهولاند رهين قدرة اليسار على إعادة تنظيم صفوفه والاتفاق على قواعد جديدة للتنسيق.
داخل الحزب الاشتراكي الذي بقي هولاند عضوًا فيه رغم ابتعاده لسنوات عن المسؤوليات التنفيذية المباشرة، تسود مقاربات متباينة تجاه فكرة عودته. فبعض الأصوات يعتبر أن استعادة رئيس سابق قد تمنح الحزب وزنًا رمزيًا أكبر في مواجهة صعود اليمين المتطرف، وأن وجود شخصية متمرسة قد يساعد على جمع أطراف متباعدة داخل العائلة الاجتماعية‑الديمقراطية. في المقابل، ترى جهات أخرى أن الرهان على اسم ارتبط في ذاكرة جزء من الناخبين بقرارات اقتصادية غير شعبية وبانقسامات حادة داخل معسكر اليسار، قد يضعف قدرة الحزب على جذب أجيال جديدة من الناخبين الباحثين عن عروض سياسية مختلفة. هذه التحفظات تفسر ميل عدد من الأطر الاشتراكية إلى التعبير عن شكوكهم في حظوظ الرئيس السابق، أحيانًا عبر تسريبات غير منسوبة بالاسم، تعكس حرجًا في الاصطفاف العلني خلفه.
هولاند من جهته يعوّل على عنصر الخبرة باعتباره خط الدفاع الأساسي أمام هذه الاعتراضات، إذ يقدم سجله في رئاسة الجمهورية كدليل على إلمامه بآليات الحكم وتعقيدات العلاقات الدولية، ويذكّر بدوره في إدارة أزمات أمنية واقتصادية شهدتها فرنسا خلال ولايته الأولى. كما يشير إلى مشاركته في قمم أوروبية ودولية كبرى، وإلى متابعته المستمرة للملفات الجيوسياسية من خلال كتبه ومداخلاته العامة، ما يمنحه، في تقديره، موقعًا يسمح له بالمساهمة في رسم مسار بديل عن الخيارات المطروحة من اليمين المتطرف ومن تيارات ليبرالية فقدت جزءًا من جاذبيتها. في هذا التقديم الذاتي، يحاول الرئيس السابق إعادة صياغة صورته كرجل دولة أكثر منه زعيم حزب، قادر على تجاوز الحسابات الضيقة لصالح قراءة أوسع لموقع فرنسا في محيطها الأوروبي والمتوسطي.
من زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذا الطموح عن التحولات التي عرفها اليسار الفرنسي خلال العقد الأخير، حيث تراجع الوزن الانتخابي للحزب الاشتراكي لصالح تشكيلات أخرى، سواء من أقصى اليسار أو من الوسط، ما أدى إلى تفكك الخريطة التي حكمت الحياة السياسية لعقود. في هذا السياق، قد يبدو ترشح هولاند، إذا تحقق، محاولة لاستعادة مركز ثقل مفقود أكثر منه مجرد عودة شخصية إلى السلطة. إلا أن نجاح مثل هذا الرهان يفترض توافقًا واسعًا داخل العائلة الاجتماعية‑الديمقراطية، وهو أمر لم تتضح ملامحه بعد، خاصة في ظل بروز قيادات جديدة تطمح إلى تمثيل اليسار في مواجهة صعود اليمين المتطرف. بين براغماتية الحسابات الانتخابية ووفاء جزء من القواعد لرموز سابقة، يقف الحزب أمام خيار صعب بين استثمار اسم معروف بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات، وبين منح الفرصة لجيل مختلف يأمل في صياغة عرض سياسي جديد.
تبدو محاولة هولاند للعودة إلى الإليزيه عام 2027 مرتبطة بعدة عوامل متداخلة، من بينها تطور استطلاعات الرأي في العامين المقبلين، ومآلات النقاش داخل الحزب الاشتراكي، وقدرة اليسار عمومًا على إنتاج مشروع جامع يحد من تقدم اليمين المتطرف. وحتى إن لم يتحول هذا الاحتمال إلى ترشح فعلي، فإن مجرد التداول الواسع فيه يعكس أزمة تمثيل أعمق داخل المشهد السياسي الفرنسي، حيث يجد الناخب نفسه ممزقًا بين رفض الماضي والخشية من خيارات مستقبلية قد تغيّر طبيعة الجمهورية وموقعها في أوروبا والعالم. في هذه المسافة الضيقة بين الحنين والقلق، يحاول هولاند أن يقدم نفسه كخيار خبرة يعِد بالاستقرار، ولو أن الطريق إلى استعادة ثقة الناخبين تبدو طويلة وشاقة، وتتطلب أكثر من إعلان استعداد أو استدعاء تجربة حكم مضت عليها أعوام.