تسعى منظمة «تانسا» اليابانية للصحافة الاستقصائية إلى إعادة تعريف علاقة غرفة الأخبار بالجمهور والتمويل من خلال تجربة تنظيمية ومالية مختلفة عن النماذج السائدة في اليابان والعالم. تستند هذه التجربة إلى تحويل الصحافة الاستقصائية إلى عمل جماعي منظم طويل الأمد، مع ربط واضح بين التحقيقات المعمقة، والتغيير القانوني أو السياسي، وبناء قاعدة اجتماعية من داعمين أفراد ومؤسسات. ينطلق المشروع من قناعة بأن التحقيقات المعمقة لا يمكن أن تعتمد على الإعلانات أو على دوريات صحفية تجارية محدودة الموارد، وأن عليها أن تتبنى منطق المنظمات غير الربحية ذات الرسالة المحددة والقابلة للنقييم.
تتموضع «تانسا» ضمن مشهد إعلامي ياباني تُهيمن عليه تقاليد الصحافة الحزبية وشبكات «الكوبورا» المرتبطة بالمؤسسات الكبرى، ما يقلص في العادة مساحة العمل الاستقصائي مستقل التمويل. تسجل تجارب من هذا النوع حضوراً محدوداً في اليابان قياساً إلى ما تطور في بيئات أخرى مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، حيث برزت كيانات غير ربحية مكرسة للتحقيقات الطويلة مثل «بروبوبليكا» أو شبكات عابرة للحدود مثل «الكونسورتيوم الدولي للصحافيين الاستقصائيين» التي اشتهرت بملفات «أوراق بنما» وغيرها. في هذا السياق، تتقدم «تانسا» كمحاولة لتكييف منطق هذه المبادرات مع خصوصيات البيئة اليابانية، من حيث اللغة، والبيئة القانونية، وطبيعة العلاقة بين الصحافة والرأي العام.
تُقدِّم المقالات التي تتداول تجربة «تانسا» صورة منظمة تستثمر بقوة في الزمن الطويل للتحقيق، مع فرق عمل صغيرة نسبياً، لكنها متفرغة لقضايا محددة تمتد أحياناً لسنوات، وتتقاطع فيها المهارات الصحفية مع القانون والبيانات والبحث الميداني. يجري توزيع الجهد على مراحل واضحة: اختيار موضوع يرتبط بمصلحة عامة مباشرة، بناء شبكة مصادر محمية، مراجعة قانونية مستمرة، ثم تطوير مسارات نشر تتيح إعادة استخدام المادة في صيغ مختلفة، من المقالات المكتوبة إلى الوثائقيات أو المواد التدريبية. هذا النمط يمنح نوعاً من الاستقرار للعمل الاستقصائي، بعيداً عن منطق «السكوب» العابر، مع محاولة تثبيت أثر التحقيق في السياسات أو الممارسات المؤسساتية.
من الناحية المالية، تتجه «تانسا» إلى نموذج هجيني يزاوج بين مساهمات أفراد، ومنح مؤسساتية، وشراكات تحريرية مع وسائل إعلام أخرى، بما يقلل اعتمادها على سوق الإعلان المحلي. لا يختلف هذا الخيار عن النماذج غير الربحية التي تم تطويرها في بيئات أخرى، لكنه يكتسب خصوصية في سياق ياباني حيث تقاليد التبرع للصحافة الاستقصائية ليست راسخة بعد. تبين التجارب المطروحة أن بناء الثقة مع الجمهور يتطلب شفافية عالية في عرض مصادر التمويل، وتوضيح كيفية إنفاق الموارد، وربط كل حملة جمع تمويل بقضية ملموسة ومحددة زمنياً. كما تعتمد المنظمة على بناء علاقة مباشرة مع داعميها من خلال فعاليات، ونشرات متخصصة، ومساحات تشرح منهجية التحقيق والحدود الأخلاقية والقانونية التي تلتزم بها.
من الجانب التحريري، يتجه نموذج «تانسا» إلى تعميق فكرة التعاون، سواء داخل اليابان أو عبر الشراكات الدولية، باعتباره عنصراً ضرورياً لمعالجة ملفات معقدة تتداخل فيها السلطات السياسية والاقتصادية. تجارب التعاون العابر للحدود التي راكمتها شبكات تحقيق دولية أظهرت أن تقسيم العمل، وتبادل الوثائق والمهارات، واستخدام أدوات مشتركة للتحليل الرقمي والبياني، يسمح بتجاوز الحدود الوطنية ويسهل كشف أنماط الانتهاكات أو الاختلالات الهيكلية. تعمل «تانسا» على توظيف هذا المنطق بما يناسب قضاياها، مع الحفاظ على استقلالية خطها التحريري، وإبقاء القرار النهائي في يد فريقها الداخلي.
يلامس هذا النموذج أيضاً سؤال علاقة الصحافة الاستقصائية بالمنصات الرقمية وشبكات التواصل. بدلاً من النظر إلى هذه المنصات كقنوات توزيع فقط، يبدو أن «تانسا» تسعى إلى تحويلها إلى فضاء تفاعلي يُسهم فيه الجمهور بتغذية التحقيقات بالمعلومات والخبرات، ضمن أطر قانونية صارمة لحماية المصادر وفلترة المعطيات. يفرض ذلك الاستثمار في تقنيات التشفير، وأدوات استقبال البلاغات الآمنة، ونشر ثقافة حماية المصادر لدى المتعاونين والصحفيين على السواء. كما يمثل الترجمة واختيار اللغات أحد مفاتيح توسيع الأثر خارج اليابان، سواء لجلب شركاء أو لتعميم نتائج التحقيق على جمهور دولي معني بالقضايا المطروحة.
تثير التجربة في الوقت نفسه عدداً من الأسئلة المفتوحة التي يمكن أن تغذي نقاشاً عالمياً حول مستقبل الصحافة الاستقصائية. من هذه الأسئلة: إلى أي مدى يمكن لنموذج غير ربحي معتمد على المنح والتبرعات أن يضمن استقلالاً فعلياً عن أجندات الممولين؟ كيف يمكن إدارة التوازن بين السعي إلى تأثير سياسي أو قانوني ملموس وبين الحفاظ على مسافة مهنية عن الفاعلين المدنيين أو الحركات الاجتماعية التي تتقاطع مع بعض القضايا؟ وما هي حدود الشفافية الممكنة في مجتمع محافظ على الخصوصية مثل اليابان، حيث قد يتردد الشهود أو الضحايا في الانخراط في تحقيقات علنية؟ هذه التساؤلات لا تخص «تانسا» وحدها، بل تمس عموم المبادرات الاستقصائية التي تحاول الانتقال من نموذج غرفة الأخبار التقليدية إلى منطق المنظمة المتخصصة، بكل ما يتضمنه من تعقيدات في الحوكمة والتمويل والمحاسبة.