تسرّب موقع حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول» في شرق المتوسط بسبب نشاط رياضي innocente على تطبيق «سترافا» أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية حول أمن البيانات في زمن التطبيقات المتصلة.
تعود تفاصيل الحادثة إلى صباح 13 آذار/مارس 2026 حين سجّل ضابط شاب في البحرية الفرنسية، عرّفته صحيفة «لوموند» بالاسم المستعار «آرثر»، تمرين ركض امتد لنحو ستة وثلاثين دقيقة وقطع خلاله أكثر من سبعة كيلومترات على سطح الحاملة النووية، مستخدماً ساعة متصلة بتطبيق اللياقة البدنية الشهير. وبما أن حسابه في التطبيق مضبوط على الوضع العمومي، فقد ظهرت خريطة المسار بكل دقة، مع إحداثيات جغرافية تشير إلى وجود حاملة الطائرات في عرض البحر شمال غرب جزيرة قبرص وعلى مسافة تقارب مئة كيلومتر من السواحل التركية.
سرعان ما التقطت وسائل إعلام متخصصة هذا المسار، إذ استعان فريق «لوموند» بصور أقمار صناعية لالتقاط السفينة في المنطقة ذاتها التي رسمها مسار العدوة على التطبيق، ما سمح بتثبيت موقع المجموعة البحرية الفرنسية في لحظة زمنية قريبة جداً من الحدث. وفي تقارير لاحقة، أشارت مواقع متابعة الحركة البحرية إلى أن هذا التسريب جاء في وقت كانت باريس تؤكد رسمياً أن مجموعة «شارل de Gaulle» لا تزال متمركزة في شرق المتوسط ولا تتجه إلى البحر الأحمر، رغم تكهنات ربطت تحركاتها بالتوترات المحيطة بإيران والممرات النفطية.
الحادثة وُصفت في الصحافة المتابعة للشؤون العسكرية بأنها تجسيد ملموس لثغرة أمنية معروفة منذ سنوات داخل الجيوش، حيث تسمح التطبيقات الرياضية بتتبع تحركات الجنود والقواعد والمنشآت الحساسة متى ما تُركت الإعدادات على النمط العمومي أو جرى استخدامها من دون قيود جغرافية. فقد سبق أن أثارت خرائط «سترافا» الحرارية في 2018 نقاشاً مماثلاً بعدما كشفت أنماط حركة بالقرب من قواعد أجنبية في مناطق نزاع، لكن واقعة «شارل de Gaulle» أعادت هذه الإشكالية إلى الواجهة عبر قوة رمزية حاملة طائرات نووية تستخدم عادة كأداة لإظهار الحضور الاستراتيجي لفرنسا في الأزمات الدولية.
في الكواليس، لا تُعد معرفة الموقع العام لحاملة طائرات كبيرة مهمة معقدة بالنسبة لأجهزة الاستخبارات أو لمراقبي الحركة البحرية، ذلك أن رصد الطائرات المرافقة والسفن الداعمة يسمح في العادة بتقدير موقعها ضمن نطاق معقول. غير أن الجديد في هذه الواقعة تمثل في أن شخصاً واحداً، عبر نشاط رياضي روتيني، وفّر معطى مكان وزمان دقيقين في متناول أي مستخدم للإنترنت، من دون المرور بقنوات الرصد التقليدية أو أدوات الاستطلاع الفضائي المكلِّفة.
ردود الفعل الأولية داخل الأوساط العسكرية الفرنسية والأوروبية تركزت على الدعوة إلى مراجعة قواعد استخدام الأجهزة المتصلة لدى العسكريين، ولا سيما الساعات الذكية وتطبيقات تتبع الأداء البدني. فهذه الأدوات باتت جزءاً من الحياة اليومية للجنود والضباط، لكنها في الوقت نفسه تُنتج بيانات حساسة عن مواقع الانتشار، أنماط العمل، وحتى فترات الاستراحة والتنقل، ما يجعلها هدفاً جذاباً لأدوات الرصد المفتوح المصدر ولجهات مهتمة بجمع المعلومات.
كما فتح التسريب نقاشاً أوسع حول الحدود بين الحياة الخاصة للعسكريين ومتطلبات السرية العملياتية، إذ ينظر كثيرون إلى تسجيل التمارين الرياضية ومشاركتها على الشبكات المتخصصة بوصفه امتداداً طبيعياً لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي. إلا أن حالة الضابط الفرنسي على «شارل de Gaulle» تُظهر كيف يمكن لنشاط يبدو عادياً أن يتحول إلى مؤشر استراتيجي يتيح تعقّب تحركات قطعة بحرية تُعد من أبرز أدوات السياسة الدفاعية الفرنسية في المتوسط، في وقت تتزايد فيه أهمية البيانات المفتوحة المصدر في تحليل التحركات العسكرية وموازين القوى الإقليمية.


