أعلنت الممثلة الأمريكية ميلا يوفوفيتش عن دخول مباشر إلى ميدان تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال مشروع مفتوح المصدر يحمل اسم «MemPalace»، طورته بالاشتراك مع المهندس بن سيغمان، ويقدَّم بوصفه نظاماً متكاملاً لإدارة الذاكرة طويلة الأمد لدى الوكلاء القائمين على النماذج اللغوية الضخمة، مع ترخيص MIT يسمح بالاستعمال والتعديل التجاريين من دون قيود واسعة. يشكل المشروع محاولة عملية لتحويل فكرة «قصر الذاكرة» المعروفة في تقاليد فنون التذكر إلى بنية تقنية صالحة لتخزين الوقائع واسترجاعها دلالياً أثناء المحادثات الطويلة والمتعددة الجلسات بين المستخدم والوكيل الذكي، مع وعود بخفض الكلفة التشغيلية والاعتماد على البنية المحلية بدلاً من استدعاء واجهات البرمجة السحابية بشكل مكثف.
وفق البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمشروع ومستنداته التقنية، يعتمد «MemPalace» على قاعدة SQLite محلية إلى جانب محرّك ChromaDB لتخزين الذكريات في طبقات متدرجة من التجريد، تبدأ من وحدات نصية دقيقة وتنتهي بهياكل أعلى تمثل موضوعات أو علاقات زمنية أو تفضيلات متكررة للمستخدم، بما يسمح ببناء ما يشبه أرشيفاً شخصياً متشابك العناصر يمكن استجوابه بلغة طبيعية عبر النماذج المتكاملة معه مثل Claude وChatGPT وأدوات التطوير التعاوني مثل Cursor وواجهة MCP. وتوضح الوثائق أن التصميم يبتعد عن فكرة «متجر المتجهات المسطح» المنتشر في أنظمة الذاكرة الحالية، لصالح تنظيم هرمي يشبه تقسيم «قصر» إلى أجنحة وغرف وممرات، بحيث توضع المعطيات الدقيقة في مواضع مترابطة تسمح بتتبع السياق والسببية وتطور المعلومة عبر الزمن.
جانب أساسي في المشروع يتعلق بأدائه على معيار LongMemEval، وهو حزمة اختبارات أُطلقت في إطار أبحاث الذاكرة طويلة الأمد للوكلاء المحادثيين، وتقيس قدرة النظام على استرجاع معلومات مطمورة داخل مئات الجلسات السابقة والإجابة عن خمسمئة سؤال تغطي ست فئات من المهام، بينها الاسترجاع المباشر، تتبع التفضيلات، الاستدلال على أساس زمني، وفهم تعدد الجلسات. يشير ملف القياسات المنشور في مستودع «GitHub» الرسمي إلى أن تكويناً هجيناً للنظام، يعتمد على «MemPal hybrid v4» مع إعادة ترتيب للنتائج عبر نموذج Haiku، حقق نسبة 100% في الاسترجاع على «LongMemEval» عبر الأسئلة جميعها، في ما يوصف بأنه أول نتيجة كاملة معلنة على هذا المعيار، مع تسجيل 96.6% في الإعداد الذي يعمل محلياً من دون استدعاءات خارجية للواجهات البرمجية.
هذا الإنجاز يأتي في سباق معلن بين أنظمة الذاكرة المطورة لأدوات المحادثة، بعد أشهر من تقديم نظام «Observational Memory» من شركة Mastra، الذي سجل نحو 94.87% على المعيار نفسه باستخدام نموذج «gpt‑5‑mini»، وجرى تقديمه آنذاك بوصفه أعلى نتيجة منشورة في هذا المجال. كما أعلنت حلول أخرى مثل «ZeroMemory» عن بلوغ 100% في جانب الاسترجاع الصرف مع معدلات أدنى في دقة الإجابة النهائية، ما يعكس تعدد المقاربات التقنية نحو معالجة مشكلة النسيان البنيوي في الوكلاء القائمين على المحادثة الطويلة، وتفاوتاً في الجمع بين دقة التذكر وقدرة النموذج على إنتاج جواب سليم في نهاية السلسلة.
إلى جانب بنية التخزين الهرمية، يطرح «MemPalace» ما يسميه مطوّروه «ضغط AAAK»، وهو ترميز مختزل مصمم خصيصاً لضغط المقاطع النصية التي تمثل «الذاكرة الفعالة» للوكلاء، بحيث يمكن اختزال فقرة بحجم يقارب ألف رمز إلى نحو مئة وعشرين رمزاً فقط من دون فقدان البنية الدلالية الجوهرية. الفكرة المعلنة هي إتاحة تحميل «قصر» من المعلومات المتراكمة، يمتد لأشهر من تفاعل المستخدم مع الوكيل، داخل حيز سياقي محدود نسبياً، بما يقلل الحاجة إلى استدعاءات متكررة للذاكرة البعيدة ويمنح النموذج رؤية مركزة للتاريخ الشخصي أو المؤسسي الذي يعمل ضمنه.
المشروع يقدم نفسه كذلك كخيار «محلي أولاً»، إذ يمكن تثبيته وتشغيله على أجهزة المستخدمين أو خواديم المؤسسات اعتماداً على قواعد بيانات محلية، من دون اشتراكات أو مفاتيح واجهات برمجة خارجية، ما يفتح الباب أمام استخدامه في بيئات تتطلب حساسية مرتفعة لخصوصية المعطيات، مثل غرف الأخبار أو المكاتب القانونية أو الفرق الطبية. هذا التوجه ينسجم مع توجّه متصاعد في صناعة الذكاء الاصطناعي نحو حلول تقلل من الاعتماد الحصري على البنى السحابية وتسمح بإدارة المعرفة داخلياً، مع إمكانية مواءمة النظام لسياسات الاحتفاظ بالبيانات ومتطلبات الامتثال التنظيمي في قطاعات مختلفة.
حضور ميلا يوفوفيتش في واجهة المشروع يضيف بعداً غير تقني، إذ تُقدَّم الممثلة كمن صاغ الفكرة العامة لـ«قصر الذاكرة» بعد تجربة شخصية مع أنظمة مساعدة لم تستوعب بالشكل الكافي تفضيلاتها وتفاصيل حياتها اليومية، بينما تولى بن سيغمان تنفيذ البنية البرمجية خلال أشهر من العمل باستخدام أدوات تطوير معتمدة على النماذج اللغوية. وتفيد رواية مطوري المشروع بأن الهدف المعلن هو تمكين المستخدم من التحكم في ما يُخزّن وما يُستبعد من سجل تفاعلاته مع الوكيل، بدلاً من ترك القرار كلياً لخوارزميات انتقائية لا تقدم بالضرورة المسار الاستدلالي الكامل الذي قاد إلى جواب معين.
إتاحة الشفرة المصدرية على منصة «GitHub» مع ترخيص مفتوح يضع «MemPalace» ضمن مجموعة متنامية من الأدوات التي تسعى إلى جعل إدارة الذاكرة طويلة الأمد للوكلاء الذكيين جزءاً معيارياً من بنية التطبيقات، وليس ملحقاً تجريبياً يُبنى لكل مشروع بشكل منفصل، ما يتيح أمام غرف الأخبار الرقمية أو المؤسسات الإعلامية، على سبيل المثال، فرصة اختبار أنماط جديدة من الأرشفة الدلالية لمحتواها واستعمالها في إنتاج وتحليل المواد الصحافية. في هذه الحالة، يمكن تخيل وكيل تحريري يحتفظ بصورة هيكلية لمسار تغطية حدث معين عبر شهور، ويسترجع عند الطلب الوقائع الدقيقة والتطورات المرحلية والخلفيات الزمنية من داخل «قصر» واحد منظم، بدلاً من البحث المتكرر عن مواد أرشيفية متفرقة أو الاعتماد على ذاكرة فردية متغيرة لدى فريق التحرير.

