تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة تشكيل عميقة لسياسة المساعدات الخارجية، عبر تقليص الاعتماد على المنظمات غير الحكومية الدولية والمنظومات متعددة الأطراف، لمصلحة قنوات ثنائية مباشرة مع الحكومات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحويل كل الموارد إلى خزائن الدول المستفيدة أو وقفاً شاملاً وفورياً لتمويل المنظمات. هذا المسار يعكس رغبة في إعادة ضبط هندسة التدفقات المالية، أكثر مما يمثّل قطيعة تامة مع الفاعلين غير الحكوميين الذين استقر دورهم خلال العقود الماضية في قلب ما يُعرف باقتصاد التنمية العالمي.
منذ حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "يوسايد" في صيف 2025 وبدء تطبيق ما سُمّي "استراتيجية الصحة العالمية أميركا أولاً"، تحوّل النموذج المعتمد من منح تعاقدية واسعة للمنظمات غير الحكومية الكبرى إلى اتفاقات ثنائية متعددة السنوات تعقد مباشرة مع وزارات الصحة والحكومات في الدول المتلقية، مع إلزام هذه الدول بمساهمات موازية وربط التمويل بمجموعة من مؤشرات الأداء. وتزامن هذا التحوّل مع قرار الانسحاب من 66 منظمة دولية، من بينها 31 هيئة تابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى وقف التمويل عن برامج تعتبرها الإدارة متعارضة مع أولوياتها، وهو ما أدى إلى انكماش ملموس في قنوات التمويل المتعدد الأطراف التي اعتادت المنظمات الدولية والأممية أن تؤدي فيها دور الوسيط.
رغم الخطاب السياسي الناقد لـ"المتعهدين الكبار"، أظهرت مراجعات مستقلة أن بعض أكبر الكيانات الأميركية العاملة في الصحة والتنمية احتفظت بحصة مرتفعة من العقود الفدرالية حتى بعد إطلاق الهيكلية الجديدة، في حين واجهت منظمات أصغر محلية في دول الجنوب صعوبات متزايدة في الوصول إلى التمويل. وعلى الرغم من أن حزمة المساعدات الخارجية التي أقرها الكونغرس لعام 2026 بقيمة 50 مليار دولار جاءت أدنى من مستويات سابقة، فإن حجم الموارد المخصّصة للمجالات التنموية والإنسانية ظل كبيراً، مع فارق أساسي يتمثل في إعادة توجيه أكثر تشدداً سياسياً بدلاً من تصفية كاملة لقنوات الإنفاق.
انعكاس هذه التحولات على المنظمات غير الحكومية يبقى متفاوتاً بين فئة وأخرى؛ إذ تجد المؤسسات التي بنَت نموذج عملها على عقود مباشرة من "يوسايد" أو على شراكات مع وكالات أممية مشمولة بالانسحاب الأميركي نفسها أمام احتمالات جديّة لتخفيضات في الميزانيات وتسريح موظفين، وخاصة في القطاعات المرتبطة بصحّة المرأة والبرامج المناخية والديمقراطية التي طاولتها أيضاً توسيعات "سياسة مكسيكو سيتي" وقرارات وقف التمويل لجهات تُصنَّف بأنها تحمل أجندات أيديولوجية غير منسجمة مع توجهات الإدارة. في المقابل، تحاول منظمات أخرى إعادة التموضع عبر العمل كمقاولين فرعيين ضمن الاتفاقات الحكومية الجديدة أو من خلال تنويع مصادر الدخل بالاتجاه نحو مانحين أوروبيين وخليجيين وآسيويين، ما يجعل الحديث عن توقف شامل ومفاجئ لتمويل المنظمات توصيفاً لا يعكس بدقة البنية المتحركة لقطاع المساعدات.
على مستوى أوسع، يمثّل نقل الثقل من المنظمات الدولية والمتعددة الأطراف إلى صفقات حكومية ثنائية جزءاً من رؤية للسياسة الخارجية تربط المساعدة بوضوح أكبر بالمصالح الجيوسياسية والتجارية الأميركية، بما في ذلك مقترحات لعقود "معادن مقابل صحة" أو ربط تسهيلات تجارية ووصول إلى الأدوية بترتيبات في مجالات التعدين والاستثمار. هذا التحول يفتح نقاشاً داخل الدول المتلقية وفي أوساط المانحين حول توازن العلاقة بين الحكومات والفاعلين الدوليين، وحدود الشفافية في الإنفاق عبر الوزارات، ومصير نموذج "السوق المفتوحة" لمنظمات التنمية الذي توسّع منذ نهاية الحرب الباردة.


