تتعامل الإدارة الأميركية الحالية مع التصعيد الأخير في نزاع الصحراء بوصفه لحظة مناسبة لدفع الأطراف المعنية نحو خيارات حاسمة، بعد سنوات من إدارة أزمة توصف بأنها من الأطول في شمال أفريقيا. فقد أدانت البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة الهجمات التي تبناها «البوليساريو» ضد مدينة السمارة في الأقاليم الجنوبية للمغرب، معتبرة أن هذه الأعمال تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوّض المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ عقود. وفي هذا السياق، تعيد واشنطن تفعيل قنواتها السياسية مع الجزائر، الطرف المؤثر في النزاع، من خلال مبعوثين ومستشارين خاصين، في مقدمتهم ماساد بولوس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا والعالم العربي، في محاولة لدفعها إلى توضيح خياراتها حيال مآل الملف.
تستند المقاربة الأميركية إلى رصيد سياسي تراكم منذ إعلان الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في ديسمبر 2020، وهو قرار تبنته إدارة ترامب آنذاك وامتنعت إدارة بايدن لاحقاً عن التراجع عنه، بما أضفى عليه طابع الاستمرارية على مستوى الدولة الأميركية، بغض النظر عن تداول الإدارات. ومع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر 2025، اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً؛ إذ تَعامل القرار الأممي مع مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 باعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية لمسار التسوية السياسية، في حين تم تمديد ولاية بعثة «مينورسو» إلى غاية أكتوبر 2026 من دون إحالة صريحة إلى خيار استفتاء تقرير المصير الذي ظل مطلباً مركزياً لـ«البوليساريو» وحلفائها. هذا التحول في هندسة المرجعيات الأممية يمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط الدبلوماسي باتجاه تسوية مبنية على صيغة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الرسالة التي يحملها ماساد بولوس إلى السفير الجزائري في واشنطن امتداداً لخط سياسي أميركي قائم على تقليص مساحة الغموض في مواقف الأطراف المعنية. فالمستشار المقرّب من البيت الأبيض أعاد التذكير، في أكثر من مناسبة، بأن الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء ليس إجراءً ظرفياً، بل خياراً استراتيجياً يرتبط برؤية أوسع لدور المغرب في الاستقرار الإقليمي، من الساحل إلى غرب المتوسط. وتصاحب هذه الرسائل إشارات مباشرة إلى أن الوقت «حان لاتخاذ قرار» بشأن المسار النهائي للنزاع، في مخاطبة ضمنية للجزائر التي يُنظر إليها في واشنطن كفاعل رئيسي يملك مفاتيح التأثير في قيادة «البوليساريو» وقدرتها على الاستمرار في خيار المواجهة العسكرية المنخفضة الحدة.
في المقابل، تحاول الدبلوماسية الجزائرية تقديم قراءة مغايرة للقرار 2797، من خلال التأكيد على أن النص الأممي، في جوهره، لم يُسقِط المرجعيات التقليدية للنزاع، وعلى رأسها مبدأ تقرير المصير وتعريف «مينورسو» كبعثة معنية أصلاً بتنظيم استفتاء في الإقليم. هذا التأويل يسمح للجزائر بالحفاظ على خطاب قانوني يستند إلى الشرعية الدولية كما تراها، مع الاستمرار في المطالبة بمقاربة تفاوضية لا تقوم حصراً على مبادرة الحكم الذاتي المغربية. غير أن تزايد عدد العواصم الداعمة لهذه المبادرة خلال السنوات الأخيرة، عربياً وأفريقياً وأطلسياً، يحدّ من قدرة هذا الخطاب على مراكمة مكاسب عملية في مؤسسات صنع القرار داخل الأمم المتحدة ومجموعة من العواصم المؤثرة.
إدانة واشنطن لهجمات «البوليساريو» على السمارة جاءت بصياغة واضحة، اعتبرت أن استمرار الأعمال المسلحة يناقض روح النقاشات الأخيرة ويعيق محاولات طي النزاع الذي قارب نصف قرن. وارتبط هذا الموقف بإعادة التأكيد على أن «مقترح الحكم الذاتي» يمثل المسار الواقعي الوحيد نحو تسوية سياسية متفق عليها، مع دعوة الأطراف كافة إلى التخلي عن الرهانات التي تُطيل أمد الوضع الراهن وتزيد من تعقيدات الملف على مستوى الأمن الإقليمي. هذه اللغة تعكس درجة من النفاد من صبر المؤسسات الأميركية حيال ما تراه إصراراً من «البوليساريو» وبعض داعميها على خيارات تُبقي النزاع في حالة استنزاف منخفضة التكلفة سياسياً لكنها متزايدة التكلفة أمنياً وعلى مستوى التنمية.
في الأثناء، تواصل واشنطن استثمار موقعها داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة للدفع نحو تبلور دينامية تفاوضية أكثر تحديداً من السابق. فقرار 2797 منح المبعوث الشخصي للأمين العام مساحة أوسع لمقاربة «موائد مستديرة» تضم المغرب و«البوليساريو» والجزائر وموريتانيا، مع تشجيع الأطراف على تقديم مقترحات ملموسة بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج مواقف مبدئية مجرّدة. وتتحرك الدبلوماسية الأميركية أيضاً عبر مسارات ثنائية مع الرباط والجزائر، بما في ذلك زيارات ماساد بولوس إلى العاصمتين وتصريحاته لصالح وسائل إعلام محلية ودولية، في محاولة لصياغة شبكة رسائل متناسقة تُظهر أن الخيار المفضل لواشنطن هو تسوية تُنهي حالة اللاسلم واللاحرب وتفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع في المنطقة.
هذا التوجه يضع الجزائر أمام معادلة متشابكة؛ فمن جهة، تستند إلى عقيدة سياسية تعتبر قضية الصحراء امتداداً لملف «تصفية الاستعمار» وتربطه بصورة دورها التاريخي في حركات التحرر الأفريقية، ومن جهة أخرى، تدرك أن استمرار القطيعة مع المغرب يحرم شمال أفريقيا من فرص التكامل الاقتصادي والطاقي في لحظة عالمية يتزايد فيها الطلب الأوروبي على مصادر بديلة للطاقة والعبور التجاري. وبين هذين البعدين، تسعى واشنطن إلى إقناع صناع القرار في الجزائر بأن الانخراط في حل «توافقي» لا يعني بالضرورة تبني الرواية المغربية بالكامل، بقدر ما يعكس قبولاً بتسوية سياسية تُراعي موازين القوى الجديدة والبيئة الدولية التي لم تعد تمنح مساحة واسعة لخيارات الاستفتاء المفتوح على سيناريوهات الانفصال.
من زاوية الرباط، تبدو الرسائل الأميركية المتلاحقة بمثابة تأكيد على تراكم اعترافات ومواقف دولية ترى في الحكم الذاتي صيغة عملية قابلة للتنفيذ، أكثر من كونها مجرد مبادرة أحادية. ويستند هذا التصور إلى قناعة مفادها أن الربط بين تسوية نزاع الصحراء وبين مشاريع الربط الطاقي واللوجستي بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا يمنح الملف بعداً إضافياً يتجاوز الجغرافيا المحلية للنزاع. وفي هذا المناخ، تكتسب تحركات شخصيات مثل ماساد بولوس، المحسوب على الدائرة الضيقة للرئيس الأميركي، رمزية خاصة، إذ تُقرأ في الرباط على أنها إشارة إلى أن الانخراط الأميركي في الدفاع عن خيار الحكم الذاتي لن يتراجع، بل سيزداد حضوراً كلما تجددت التوترات الميدانية.
بهذا المعنى، تحمل جملة «حان وقت اتخاذ القرار» التي نُقلت عن ماساد بولوس أكثر من دلالة، فهي تعكس رغبة أميركية في تجنب انزلاق النزاع إلى دورة جديدة من التوتر المسلح، كما تعبّر في الوقت نفسه عن إدراك بأن لحظة ما بعد قرار مجلس الأمن الأخير تتيح إعادة ترتيب أولويات الأطراف المعنية على قاعدة أوضح من السابق. وتبدو الرسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى الجزائر، التي تجد نفسها أمام خيار بين الاستمرار في إدارة ملف الصحراء بمنطق المدى الطويل المفتوح، أو القبول بتسوية سياسية تُراعي التحولات التي طرأت على موازين القوى القانونية والسياسية في الأمم المتحدة والعواصم الغربية.


