أكد السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في فعالية عقدت في تل أبيب، أن إسرائيل أرسلت بطارية من منظومة الدفاع الجوي «القبة الحديدية» إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، مرفقة بطاقم عسكري لتشغيلها، خلال الحرب الأخيرة مع إيران التي شهدت قصفاً صاروخياً مكثفاً على منشآت وبنى تحتية في الخليج العربي. وجاء كلام هاكابي ليقدّم لأول مرة رواية رسمية علنية من مسؤول أمريكي رفيع بشأن ما كان حتى أسابيع قريبة ضمن نطاق التسريبات الصحفية والتقارير الاستخباراتية غير المؤكدة حول حجم التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر لحماية المجال الجوي الإماراتي في تلك الفترة.
هاكابي أوضح في مداخلته أن تل أبيب لم تكتف بإرسال المنظومة الدفاعية، بل رافقها فريق متخصص من عناصر الجيش الإسرائيلي للمساعدة في تشغيل البطارية والتعامل مع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت الأراضي الإماراتية خلال جولات التصعيد مع إيران، الأمر الذي أعطى بعداً عملياً جديداً للعلاقة الأمنية بين الجانبين بعد سنوات من التعاون الذي كان يتركز على مجالات التكنولوجيا والاستخبارات والصفقات الدفاعية غير المعلنة. وتنسجم هذه الرواية مع ما نشره سابقاً موقع «أكسيوس» عن قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإصدار أوامر عاجلة بإرسال بطارية من «القبة الحديدية» وصواريخ اعتراضية وعشرات الجنود إلى الإمارات في مرحلة مبكرة من الحرب، عقب اتصال هاتفي مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
تقارير عدة، من بينها ما نشرته منصات إخبارية متخصصة في الشأن الإسرائيلي، أفادت بأن الخطوة الإسرائيلية مثّلت المرة الأولى التي يتم فيها نشر منظومة «القبة الحديدية» خارج الأراضي الإسرائيلية والأراضي الأمريكية، لتصبح الإمارات أول دولة أجنبية تعتمد عملياً على هذه المنظومة في مواجهة صواريخ وطائرات مسيرة معادية. وتحدثت تلك التقارير عن أن الهجمات الإيرانية شملت مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وآلاف الطائرات المسيرة، وأن جزءاً من هذه الهجمات كان موجهاً إلى منشآت حيوية في الإمارات، ما دفع أبوظبي إلى طلب دعم عاجل من حلفائها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، لتعزيز قدراتها الدفاعية الجوية خلال الفترة الحرجة من النزاع.
السفير الأمريكي استخدم هذه الواقعة لتقديم الإمارات نموذجاً لدولة خليجية أقامت مع إسرائيل شراكة عسكرية وأمنية متقدمة على أساس الاتفاق الذي عُرف بـ«اتفاقات أبراهام» الموقعة في صيف عام 2020، والذي أرسى أسس تطبيع رسمي للعلاقات بين الطرفين برعاية أمريكية. واعتبر هاكابي أن هذه الشراكة لم تبق في حدود التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، بل تحولت إلى ما وصفه بعلاقة استثنائية تتجلى في استمرار الرحلات الجوية الإماراتية إلى إسرائيل خلال فترات التصعيد الأمني التي تراجعت خلالها حركة شركات طيران أخرى، وفي الاستعداد المتبادل لتحمل كلفة سياسية وأمنية لقاء الحفاظ على مستوى مرتفع من التنسيق بين العاصمتين.
منذ توقيع الاتفاق الدبلوماسي بين الإمارات وإسرائيل، شهدت العلاقات الثنائية مسارات متسارعة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والسياحة والتعاون المالي، غير أن التطور الأبرز ظهر في ملفات الدفاع والأمن، من خلال صفقات تكنولوجية وتنسيق استخباراتي وزيارات متبادلة لمسؤولين عسكريين، بحسب بيانات رسمية وتصريحات متطابقة من الجانبين خلال الأعوام الأخيرة. ويضع الكشف العلني عن نشر «القبة الحديدية» في الإمارات هذه العلاقة في مستوى جديد، إذ يكشف عن استعداد تل أبيب لتصدير واحدة من أكثر منظوماتها الدفاعية حساسية إلى دولة عربية، وعن قبول أبوظبي باستضافة قوات أجنبية متخصصة لتشغيل النظام خلال مواجهة مباشرة مع إيران، بما يحمله ذلك من رسائل سياسية وأمنية تتجاوز البعد الثنائي بين البلدين.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن تأكيد تفصيلي من السلطات الإماراتية أو الإسرائيلية بشأن كل الجوانب العملياتية للمنظومة خلال الحرب، بينما اكتفت بيانات رسمية إماراتية سابقة بالإشارة إلى حجم الهجمات الإيرانية على أراضيها وإلى تعاون وثيق مع شركاء دوليين لتعزيز حماية المنشآت الحيوية والمراكز الحضرية الكبرى. كما لم تتوافر معطيات عامة حول عدد الصواريخ أو الطائرات المسيرة التي تم اعتراضها بواسطة «القبة الحديدية» داخل المجال الجوي للإمارات، أو حول مدة بقاء الطواقم الإسرائيلية هناك بعد تراجع حدة المواجهة مع إيران، ما يترك مساحة لأسئلة مفتوحة أمام الباحثين والمتابعين بشأن الأبعاد الفنية والسياسية لهذه السابقة العسكرية.
مع ذلك، يعزز تصريح السفير الأمريكي الصورة التي رسمتها التقارير الصحفية خلال الأسابيع الماضية عن نشوء نمط جديد من الترتيبات الأمنية بين إسرائيل وبعض دول الخليج، يقوم على تبادل مباشر للقدرات الدفاعية المتقدمة في مواجهة تهديدات مشتركة، خاصة في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. ويرى مراقبون أن هذا النمط يعكس تحولات أعمق في خريطة التحالفات الإقليمية، حيث تسعى دول مثل الإمارات إلى تنويع مصادر الحماية الدفاعية عبر الانفتاح على الشركاء الغربيين والإقليميين، فيما توظف إسرائيل تقنياتها الدفاعية لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في محيطها العربي، مستفيدة من دعم أمريكي معلن واستعداد من بعض العواصم الخليجية لرفع مستوى التعاون الأمني إلى درجات غير مسبوقة.


