أعلن المغرب خطوة جديدة في مسار انضمامه إلى آليات تسيير القناة الفرانكوفونية الدولية TV5MONDE، بعد مسار طويل من التعاون الإعلامي والثقافي مع الفضاء الناطق بالفرنسية. تأتي هذه الدينامية في سياق رغبة الرباط في تعزيز حضورها داخل المنصات السمعية‑البصرية متعددة الشركاء، بما يسمح لها بالتأثير في الخيارات الاستراتيجية لقنوات تخاطب جمهورا واسعا في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن السلطات المغربية أبلغت الشركاء باهتمام رسمي بالانضمام إلى هيئات اتخاذ القرار داخل TV5MONDE. وقد تم ذلك عبر مراسلة مؤرخة في 21 أبريل 2026، موجهة إلى الجهات المشرفة على القناة متعددة المساهمين. وتؤكد هذه الخطوة رغبة المغرب في الانتقال من وضعية الشريك المستفيد من بث محتويات موجهة إلى المشاهدين في المنطقة المغاربية وإفريقيا الفرنكوفونية إلى وضعية طرف مشارك في رسم السياسات التحريرية واللغوية والتقنية التي تعتمدها الشبكة.
تعتمد TV5MONDE على بنية مؤسساتية خاصة. إذ تضم في رأسمالها وفي أجهزتها التقريرية عددا من الدول والحكومات الناطقة بالفرنسية، إلى جانب مؤسسات إعلامية عمومية كبرى في أوروبا وكندا وسويسرا. الانضمام إلى حوكمة هذه المنظومة يفتح أمام المغرب مجالا للتنسيق مع فاعلين يمتلكون إمكانات مالية وتكنولوجية مهمة، كما يتيح له مواكبة التحولات الجارية في سوق الإعلام الدولي، خصوصا في ما يتعلق بالتحول الرقمي وتنوع صيغ البث على المنصات الجديدة.
من منظور السياسات العمومية المغربية في قطاع الإعلام، يشكل التقارب مع TV5MONDE امتدادا لخيار توسيع الحضور الخارجي للقنوات الوطنية والمنتجين المغاربة، سواء عبر الأعمال الدرامية أو الوثائقية أو البرامج الحوارية. ويتيح موقع داخل حوكمة الشبكة الفرنكوفونية للمسؤولين المغاربة إمكانية الدفاع عن إنتاجات محلية يمكن أن تجد طريقها إلى شبكات البث العالمية، مما يمنح الصناعة السمعية-البصرية في المملكة منافذ إضافية لتوزيع محتواها.
كما أن وزن الجمهور المغاربي والإفريقي الناطق بالفرنسية يمثل عنصرا حاسما في هذا المسار. إذ تسعى TV5MONDE منذ سنوات إلى تعزيز نسب المشاهدة في جنوب المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء عبر كبسولات إخبارية وبرامج ثقافية موجهة. وجود المغرب داخل دوائر القرار في هذه المجموعة يمكن أن يدعم تطوير صيغ برامجية تنطلق من أولويات المنطقة، سواء في ما يخص الملفات الاجتماعية أو التحولات السياسية أو قضايا الهجرة والبيئة والتنمية.
تندرج هذه التحركات في لحظة تعرف تجديدا في توجهات عدد من الدول الراغبة في استثمار أدوات القوة الناعمة من خلال الإعلام الدولي بلغات ذات انتشار واسع. بالنسبة للمغرب، يشكل الفضاء الفرانكوفوني مجالا تقليديا للحضور الثقافي والدبلوماسي، إلى جانب رهانات متعلقة بجذب الاستثمارات والسياحة وبناء صورة بلد منفتح ومتعدد اللغات. الانخراط الأعمق في حوكمة قنوات دولية ناطقة بالفرنسية يمنح الرباط منصة إضافية لعرض روايتها حول الملفات الإقليمية والاقتصادية والحقوقية.
على المستوى العملي، يفترض مسار الاندماج في حوكمة TV5MONDE التوافق مع باقي الدول الأعضاء حول شروط الانضمام وتوزيع المساهمات المالية وتمثيل كل طرف داخل المجالس المشرفة على الخط التحريري والخيارات الاستراتيجية. وتجري العادة في مثل هذه الشراكات أن تمر العملية عبر مراحل متدرجة تبدأ بإشعار رسمي بالاهتمام، يليه تبادل للوثائق والاقتراحات، قبل الوصول إلى اتفاق نهائي يصادق عليه كل طرف وفق مساطره الداخلية.
هذا المسار يرتبط بتطور النقاش داخل الأوساط الفرانكوفونية حول دور اللغة الفرنسية في العالم، وموقع القنوات العمومية المشتركة في بيئة إعلامية تنافسية تهيمن عليها المنصات الرقمية والمنتجون التجاريون الكبار. حضور دولة مثل المغرب، التي تجمع بين انتماء تاريخي إلى الفضاء الفرانكوفوني وتنوع لغوي محلي يشمل العربية والأمازيغية واللغات الأجنبية، يمكن أن يضيف زاوية نظر مميزة للحوارات الدائرة داخل هذه المنظومة.
ويرى مهتمون بالسياسات الإعلامية أن خطوة الرباط نحو حوكمة TV5MONDE قد تدفع في اتجاه تطوير تعاون أوسع في مجالات التكوين المهني وتبادل الخبرات في الصحافة الرقمية وإنتاج المحتوى المتعدد الوسائط. وهذا ما ينسجم مع حاجات غرف الأخبار في المملكة التي تبحث عن نماذج جديدة للتكيف مع التغيرات التقنية والسلوكية لدى الجمهور. كما تفتح الشراكة الباب أمام إمكان إطلاق مشاريع مشتركة موجهة للشباب في المنطقة المغاربية، تستثمر في الحكايات المحلية وتستعمل تقنيات سرد حديثة تجمع بين التلفزيون والمنصات الرقمية.
يسجل أن المغرب اختار، عبر هذه الخطوة، توجيه إشارات واضحة نحو تموضع إعلامي يسعى إلى الجمع بين الاستفادة من خبرة شبكات دولية راسخة والحفاظ على خصوصية سردياته الوطنية والإقليمية، في انتظار استكمال الترتيبات القانونية والمؤسساتية. يضع هذا الاختيار غرف الأخبار المغربية أمام فرصة جديدة لتوسيع حضورها في مشهد عالمي سريع التحول، بما يفرض نقاشات مهنية حول نوعية المحتوى الذي يمكن أن يحمل توقيع منتجين مغاربة إلى شاشات جمهور واسع متعدد الخلفيات والثقافات.


