يشكل إعلان مجموعة «سوزهو ريكوديل إنتركونيكت سيستم» الصينية عن إحداث مصنع جديد في مدينة طنجة خطوة جديدة في توطيد حضور الصناعات المرتبطة بالمركبات الكهربائية في المغرب، مع استثمار يناهز خمسين مليون دولار مخصص لإنتاج الموصلات وأنظمة الربط الكهربائية الموجهة لصناعة السيارات. يندرج هذا المشروع ضمن موجة أوسع من الاستثمارات الصناعية الأجنبية التي اختارت منطقة طنجة الكبرى وجوار ميناء طنجة المتوسط قاعدة لتطوير قدرات إنتاجية موجهة نحو التصدير، مستفيدة من البنيات التحتية اللوجستية واتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بعدد من التكتلات الاقتصادية. ويأتي اختيار هذا الموقع ليعكس الأهمية المتزايدة التي يكتسيها شمال المغرب كمنصة للصناعات الميكانيكية والإلكترونية المتقدمة، في ارتباط مباشر بتحول سوق السيارات العالمية نحو الطرازات الكهربائية والهجينة.
تعد شركة Recodeal من الفاعلين المتخصصين في حلول الربط الكهربائي، حيث تركز أنشطتها على تصميم وتصنيع الموصلات وأنظمة الكابلات المستخدمة في المركبات الكهربائية وفي تجهيزات أخرى عالية المتطلبات التقنية. هذه المنتجات تكتسي طابعا استراتيجيا بالنسبة لسلاسل القيمة الصناعية، إذ تشكل حلقة أساسية في نقل الطاقة والإشارات بين البطاريات ووحدات التحكم والمحركات، مع ما يستلزمه ذلك من دقة في التصنيع واحترام صارم لمعايير السلامة. ومن شأن انطلاق المصنع الجديد في طنجة أن يفتح أمام المغرب مجالا إضافيا للتموقع في حلقات إنتاج ذات محتوى تكنولوجي أعلى من التجميع الميكانيكي التقليدي، مع إمكان تطوير مهارات محلية في التصنيع الدقيق واختبارات الجودة المرتبطة بالإلكترونيات والأنظمة الذكية داخل المركبات.
يرتبط هذا الاستثمار أيضا بمسار تصاعدي لانخراط مجموعات صينية في منظومة صناعة السيارات بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث اتجهت عدة شركات إلى إقامة وحدات إنتاجية موجهة لمكونات ذات صلة بالمركبات الكهربائية وأنظمة التحكم. ويضيف دخول Recodeal إلى هذه الدينامية عنصرا جديدا في شبكة الموردين التي تتشكل تدريجيا حول المصانع القائمة في القنيطرة وطنجة وغيرها، سواء تعلق الأمر بمنتجين صينيين أو أوروبيين من ألمانيا ودول أخرى. هذه الشبكة المتنامية تمنح الصانعين الكبار هامشا أوسع لتنويع مصادر التوريد وتقليص كلفة النقل والمهل الزمنية، الأمر الذي يعزز جاذبية المنصات المغربية بالنسبة لشركات السيارات العالمية التي تبحث عن مواقع قريبة من الأسواق الأوروبية وقادرة في الآن نفسه على الوصول إلى أسواق إفريقية صاعدة.
على المستوى المحلي، ينتظر أن يساهم المصنع الجديد في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في تخصصات تقنية وصناعية مختلفة، بما في ذلك تشغيل تقنيي إنتاج في خطوط تصنيع الموصلات، ومهندسي جودة، وأطر للصيانة الصناعية، إلى جانب خدمات مساندة في النقل والخدمات اللوجستية. ورغم أن المعطيات الدقيقة بشأن عدد مناصب الشغل لم تُكشف بشكل مفصل في المعلومات الأولية المتداولة، إلا أن حجم الاستثمار وطبيعة النشاط يقترحان حضورا لمهن ذات مؤهلات تقنية متوسطة وعليا، ما يعزز الطلب على التكوينات المهنية والجامعية المرتبطة بالإلكترونيات الصناعية والهندسة الكهربائية. ومع تنامي هذا النمط من المصانع في محيط طنجة والقنيطرة، تتبلور تدريجيا كتلة حرجة من الكفاءات والخبرات القابلة للتنقل بين الشركات، الأمر الذي يتيح تراكم الخبرة المهنية وتطوير مهارات متخصصة في ميدان المركبات الكهربائية.
من زاوية جيواقتصادية أوسع، ينسجم توسع الاستثمارات الصينية في الصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية في المغرب مع توجه بكين إلى تعزيز حضورها الصناعي في إفريقيا عبر مشاريع قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، بدل الاقتصار على تصدير المنتجات النهائية. ويستفيد المغرب في هذا السياق من موقعه الجغرافي على بوابة مضيق جبل طارق ومن بيئة تشريعية تمنح حوافز للاستثمار الأجنبي، ما يجعله نقطة التقاء بين رؤى استثمارية صينية ورهانات أوروبية على إعادة تنظيم سلاسل التوريد بعد تحولات السنوات الأخيرة. وقد يتيح هذا التداخل في المصالح الاقتصادية للمملكة هامشا إضافيا للمناورة في علاقاتها مع شركائها التقليديين والجدد، ما دام تطوير صناعة المركبات الكهربائية بات مجالا رئيسيا للتنافس والتعاون في آن واحد بين القوى الاقتصادية الكبرى.
يرتبط نجاح مشروع Recodeal وغيره من المشاريع المشابهة بقدرة المنظومة الصناعية المغربية على الاستمرار في استقطاب استثمارات في حلقات تكنولوجية متقدمة، مثل الإلكترونيات، والبرمجيات المدمجة في السيارات، وأنظمة إدارة البطاريات، وليس فقط في المكونات الميكانيكية. ومع تراكم الاستثمارات في الموصلات وأنظمة الكابلات وباقي أجزاء البنية الكهربائية للمركبات، تتعزز فرص ظهور نسيج صناعي متكامل يوفر نطاقا واسعا من المكونات لصانعي السيارات في المغرب وخارجه، مع إمكانية الانتقال تدريجيا نحو أنشطة بحث وتطوير أكثر تقدما. في هذا الأفق، يبدو أن استثمار خمسين مليون دولار في مصنع جديد بطنجة يشكل خطوة إضافية في مسار أطول، يتوقف مدى تقدمه على التفاعل بين خيارات السياسات العمومية، واستراتيجيات المجموعات العالمية، وقدرة الفاعلين المحليين على مواكبة التحولات التقنية التي تعيد تشكيل مستقبل صناعة السيارات على المستوى العالمي.


