شهدت الرباط تنظيم مأدبة غداء رسمية ترأسها ولي العهد الأمير مولاي الحسن، بتكليف من الملك محمد السادس، تخليداً للذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، في لحظة بروتوكولية حملت أبعاداً مؤسسية واضحة تتجاوز الطابع الاحتفالي الظاهر للحدث. انعقدت المأدبة في «نادي الضباط»» بالعاصمة، وهو فضاء يرتبط في التقاليد العسكرية المغربية بلحظات اللقاء بين القيادة العليا ومختلف مكونات النخبة العسكرية، ما يمنح المناسبة بعداً رمزياً إضافياً، خاصة مع تزامنها مع برنامج واسع من الأنشطة الموزعة على مجموع ثكنات ووحدات الجيش في مختلف مناطق البلاد.
وجاءت رئاسة ولي العهد لهذا الموعد الرسمي تنفيذاً لتعليمات الملك محمد السادس بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، في سياق دلالة على تثبيت دوره المتنامي داخل معمار الدولة، لا سيما بعد الإعلان عن توليه مهمة منسق مكاتب وخدمات القيادة العامة للقوات المسلحة.
هذا الحضور المتقدم في واجهة الأنشطة العسكرية ذات البعد الرمزي يعزز صورة انتقال تدريجي للمهام داخل هرم الدولة، ضمن استمرارية مؤسساتية تراهن على إشراك الجيل الجديد في إدارة الملفات الحساسة المرتبطة بالدفاع والأمن. وفي هذا الإطار، تتحول مناسبة احتفالية من هذا النوع إلى فضاء لإبراز موقع ولي العهد داخل المنظومة العسكرية من خلال حضوره باسم الملك في لقاء يجمع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، وضيوفاً يمثلون دوائر دبلوماسية ودفاعية أجنبية معتمدة بالرباط.
المعطيات المتاحة تفيد بأن المأدبة استقبلت، إلى جانب شخصيات من الجهاز التنفيذي من بينها رئيس الحكومة والوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، قيادات عليا في القوات المسلحة، على رأسها المفتش العام للقوات المسلحة وقادة أسلحة الجو والبحرية والدرك الملكي، إضافة إلى ضباط سامين وممثلي ملحقيات عسكرية لدول شريكة للمغرب.
هذا التشكيل البشري يعكس شبكة العلاقات التي تنسجها المؤسسة العسكرية المغربية داخلياً وخارجياً، من خلال الحضور المتزامن لمسؤولي الأمن والدفاع مع ممثلين عن شركاء دوليين، في لحظة احتفالية تُقرأ أيضاً كإشارة إلى استقرار الشراكات العسكرية التي راكمها المغرب خلال العقود الأخيرة. كما أن انعقاد اللقاء داخل فضاء مغلق مخصص للضباط يمنحه طابع اجتماع عمل غير معلن بالكامل، ولو أنه مغطى رسمياً بوصفه مأدبة بروتوكولية لتخليد ذكرى تأسيس الجيش.
يأتي هذا الموعد في سياق برنامج أوسع للاحتفال بمرور سبعة عقود على تأسيس القوات المسلحة الملكية، حيث عرفت مختلف القواعد العسكرية تنظيم مراسيم رفع العلم الوطني، وتلاوة الأمر اليومي الذي وجهه الملك محمد السادس إلى أفراد الجيش بمختلف رتبهم، متضمناً تقييماً لمسار تحديث هذه المؤسسة وتوجيهات للمرحلة المقبلة.
تضمن هذا الأمر اليومي إشارات إلى رهان مواصلة تحديث العتاد وتعزيز الكفاءات البشرية، وربط أداء القوات المسلحة بتطورات المشهدين الإقليمي والدولي، مع إبقاء مسألة الدفاع عن الوحدة الترابية في صلب أولويات المؤسسة العسكرية. وبالتوازي مع ذلك، شهدت عدة ثكنات مراسم تقليد أوسمة واستعراضات لوحدات من مختلف الأسلحة، ما يضع مأدبة الرباط ضمن لوحة احتفالية متكاملة تمزج بين البعد الرمزي المتعلق بالذاكرة العسكرية وبُعد التنظيم الداخلي المتصل بتثبيت قيم الانضباط والولاء للقيادة العليا.
الذكرى السبعون تكتسب دلالة خاصة في مسار الجيش المغربي، باعتبارها محطة لتقييم مسار مؤسسة ولدت في سياق الاستقلال، وتطورت تدريجياً كمكون مركزي في منظومة الدولة، من حماية الحدود إلى المساهمة في عمليات حفظ السلام والتعاون العسكري متعدد الأطراف.
وفي السنوات الأخيرة، تراكمت مؤشرات على تسريع وتيرة تحديث هذه المؤسسة، سواء على مستوى تطوير الصناعات الدفاعية المحلية أو تنويع الشراكات مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، وهو ما تنقله تقارير متخصصة حول عقود التسلح والتدريب والتعاون التقني. ضمن هذا الإطار، تبدو المأدبة التي ترأسها ولي العهد جزءاً من صورة أشمل لمؤسسة عسكرية تسعى إلى تثبيت موقعها كفاعل منظم داخل البنية الاستراتيجية للدولة، مع المحافظة على صورة الانضباط والارتباط المباشر بالعرش كضامن للشرعية السياسية.


